قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢١٠

[240]

210

قنطرة النفس

الدرجة الثانية: ورع المتقين وهو كل ما لا شبهة في حله، ولكن يخاف منه أن يؤدي إلى محرم وهو ترك ما لا بأس فيه مخافة ما فيه البأس.

وقال عليه السلام: إنما سمي المتقون متقين لتركهم ما لا بأس فيه مخافة البأس (1). وقال ابن عباس: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام. وقال أبو الدرداء: إن تمام التقوى أن يتقي العبد في مثقال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً فيكون حجاباً بينه وبين النار:

الدرجة الثالثة: ورع الصديقين وهو ترك ما لا بأس فيه أصلاً، ولا يخاف أن يؤدي إلى ما به البأس ولكنه يتناول لغير الله أو يقصد به غير التقوى على عبادة الله.

كما روي عن بعضهم أنه شرب دواء فقالت له امرأة لو مشيت في الدار قليلاً حتى يعمل الدواء فيك. فقال؛ هذه مشية لا أعرفها فكأنه لم تحضره نية تتعلق بالدين في مشيته

تلك.

كما روي عن ذي النون المصري: أنه كان جائعاً محبوساً فبعثت له أخته في الله طعاماً على يد السجان، فلم يأكل فاعتذر إليها وقال: جأني على طبق ظالم ـ يعني القوة التي أوصلت إليه الطعام اكتسبت بالغذاء الحرام.

وهذه أقصى درجات الورع أعني ورع، الصدقين، والتحقيق فيه أن الورع له أول وهو الامتناع عن كل ما تحرمه الفتوى وذلك الورع وفرض واجب وله غاية، وهو ورع الصدقين وهو الامتناع عن كل ما ليس الله مما أخذ بشهوة أو توصل إليه بمكروه، أو اتصل بسببه مكرو. وبينهما درجات في الاختلاط وكلما كان العبد أشد تضيقاً على نفسه كان أخف ظهراً يوم

القيامة.

مسالة

فإن قيل ما تقول في قبول جوائز السلطان في هذا الزمان؟ فاعلم أن بعض السلف قال: قد اختلف العلماء في ذلك فقال قوم: كل ما لا يتيقن أنه حرام فله أخذه. وقال آخرون: لا يحل أن يأخذ ما لا يتحقق أنه حلال لأن الأغلب في هذه الأعصار على أموال السلاطين الحرام، والحلال في أيديهم معدوم أو عزيز.

(1) عن نحوه قال العراقي في المغني: (95/ 3): رواه ابن ماجة.