قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢١٢

212

قنطرة النفس

من جارك

وقد روي أن جابر بن زيد سأله رجل عن جار له عشار يهدي إليه؟ فقال: خذ ما أعطاك. وروي عن سعيد بن جبير أنه أكل من طعام العشارين والتنزه عن مثل هذا أفضل.

مسالة

فإن قيل ما تقول في صلة أهل الأسواق وغيرهم ممن ليس له نظر في المعاملات؟ قيل له إذا كان ظاهر الإنسان الصلاح والستر فلا حرج على الأخذ منه ولا يلزم البحث بأن يقول فسد الزمان لأن ذلك سوء ظن بالمسلمين وتجسس عن أحوالهم. ثم اعلم ما هو الأصل في هذا الباب وهو أن هاهنا شيئين:

أحدهما: حكم الشرع الظاهر الموضوع على اليسر والسماحة وهو أن تأخذ ما أتاك من ظاهره الصلاح ولا تسأل إلا إن استربته أو تيقنت أنه حرام أو غصب بعينه.

أنه

به

والثاني: حكم الورع الموضوع على التضييق والتشديد كما قيل: الأمر على المتقي أضيق من عقد التسعين فحكم الورع أن لا يأخذ شيئاً من أحد حتى يسأل أو يبحث غاية البحث [243] كما سأل أبو بكر غلامه عن اللبن الذي شربه / فتقيأه، وكما سأل عمر عن اللبن الذي شربه فأخبر من إبل الصدقة، والورع أيضاً من الشرع وكلاهما في الأصل واحد ولكن للشرع حكمان: حكم جواز، وحكم الأفضل الأحوط، فحكم الجواز يقال له: حكم الشرع، وحكم الأحوط الأفضل يقال له: حكم الورع، وهما واحد في الأصل غير أن حكم الورع شديد فمن سلك طريقه فلا بد له أن يوطن نفسه على احتمال الشدائد وإلا فلا يتم له ذلك. وليكن عنده أكل ما يتداوله الناس في أيديهم بمنزلة الميتة لا يقدم عليها إلا عند الضرورة، ثم لا يتناول منها إلا مقدار ما يبلغه إلى الطاعة فيكون له عذر في ذلك ولا يضره إن كان في أصله شبهة، أو هو حرام مجهول فإن الله تعالى أولى بالعذر. ولهذا قال الحسن البصري: إذ فسد السوق فعليكم بالقوت.

وقد روي عن وهيب بن الورد أنه كان يجوع نفسه يوماً أو يومين أو ثلاثة ثم يأخذ رغيفاً فيقول: اللهم إنك تعلم إني لا أقوى على العبادة وأخشى الضعف وإلا لم آكله، اللهم وإن كان فيه شيء من خبث أو حرام فلا تؤاخذني ثم يبل الرغيف في الماء فيأكله.

ويقال: إن بعض الورعين قيل له: من أين تأكل؟ فقال: مما تأكلون، ولكن ليس من يأكل ويبكي مثل من يأكل ويضحك وقال: يد أصغر من يد ولقمة أصغر من لقمة. فهكذا كانوا يتحرزون من الشبهات فهذه طريقة الطبقة العليا من أهل الورع فيما بلغنا. وأما من دونهم