قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢١٥

[247]

215

قنطرة النفس

بعض الحكماء حين قال: إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فلا تأكل حتى تقضيها؛ فإن الأكل يغير العقل وهذا أمر ظاهر علمه لمن اختبره.

والرابعة: أن في كثرة الأكل قلة العبادة، وإذا كثر الأكل ثقل بدنه، وغلبته عيناه، وفترت أعضاؤه فلا يجيء منه شيء وإن اجتهد وقد ذكر عن يحيى عليه السلام أن إبليس بدا له وعليه معاليق. فقال يحيى: ما هذه؟ قال: الشهوات التي أصيد بها بني آدم. قال: هل تجد لي شيئاً؟ قال: لا إلا أنك شبعت ذات ليلة، فثقلناك عن صلاتك. فقال يحيى: لا جرم أني لا أشبع بعدها أبداً. فقال إبليس لعنه الله: لا جرم أني لا أنصح بعدها أحداً أبداً. فهذا فيمن لم يشبع في عمره إلا ليلة واحدة فكيف بمن لم يجع في عمره ليلة ثم يطمع في العبادة؟ قال بعض العلماء: العبادة حرفة حانوتها الخلوة، وآلاتها المجاعة.

إلى لقاء

والخامسة: أن في كثرة الأكل فقد حلاوة العبادة. وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: ما شبعت منذ أسلمت لأجل حلاوة عبادة ربي ولا رويت منذ أسلمت اشتياقاً وهذه صفة المكاشفين. وكان رضي الله عنه مكاشفاً وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ما فضلكم أبو بكر بفضل صلاة ولا صيام وإنما هو شيء وقَرَ في نفسه (1). وقال بعض السلف: أحلى ما تكون العبادة / إذا التزق ظهري ببطني.

ربي

والسادسة: أن فيه خطر الوقوع في الشبهة والحرام؛ لأن الحلال لا يأتيك إلا قوتاً

والحرام يأتيك جزفاً جزفاً.

ثم

والسابعة: أن فيه شغل القلب والبدن بتحصيله أولاً، وبتهيئته ثانياً، ثم بأكله ثالثاً، بإفراغه والتخلص منه رابعاً، ثم بالسلامة منه خامساً، من أن تبدو منه في البدن آفة أو آفات وعلل، وقد قال عليه السلام أصل كل داء البردة». يعني الحمة. وأصل كل دواء اللازم (3).

يعني الحمية.

ويقال: من رفع يده من الطعام وهو يشتهيه ولا يأكل إلا وهو يشتهيه، واستفرغ بدنه من البول قبل النوم لم يحتج إلى طبيب أبداً. ويقال: مكتوب على مائدة كسرى: ليهنى طعام من (1) عن نحوه قال العراقي في المغني (24/ 1): رواه الحكيم الترمذي في النوادر من قول أبي بكر بن عبد الله المزني ولم أجده مرفوعاً. (2) أطراف الحديث عند ابن عدي في الكامل (5231/ 2)، (986/ 3)، ابن الجوزي في العلل المتناهية (178/ 2)، ابن حبان في المجروحين (202/ 1) الذهبي في الميزان (1341)، ابن حجر في ا الميزان (1670/ 3)، العجلوني في كشف الخفا (146/ 1).

لسان