الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢١٧قنطرة النفس
217
والعاشرة: أن كثرة الأكل تنسي أهل الجوع في الدنيا حتى لا يتفضل عليهم مع ما
يناله في الآخرة من الحبس والحساب والتوبيخ واللوم في ترك الأدب في أخذ الفضول وطلب الشهوة، والله أعلم. فهذه جملة العشر وفي واحدة منها كفاية لمن نظر واعتبر فعليك أيها المجتهد بالاحتياط البالغ في القوة لئلا تقع في حرام أو شبهة فيلزمك العذاب، ثم الاقتصار من الحلال على ما يكون عمدة على عبادة الله تعالى لئلا تقع / في شر وتبقى في [249]
الحساب.
شرطين.
فصل
فإن قيل: شرط المباح حتى يصير خيراً أو حسنة؟ قيل له: يحتاج في الأصل إلى
أحدهما: الحال.
والثاني:: القصد.
فأما الحال: فهو أن يكون في حال عذر وضرورة وإن لم يأخذ البلغة ينقطع بسبب) عن فرض أو سنة أو نفل هو أفضل من ترك المباح فذلك حال العذر.
ذلك
وأما القصد: فهو أن يقصد بأكله التقوى على طاعة الله والاستعانة به على عبادته، ومعنى القصد أن يذكر بقلبه لولا ما فيه من التوصل إلى عبادة الله لما أخذ ذلك، فإن كان في حال عذر لم يكن له هذا القصد، أو كان به هذا القصد ولم يكن في حال عذر فلا يصير ذلك الفعل من جملة الخيرات، ثم الاستقامة على حفظ ذلك الأدب يحتاج إلى بصيرة وقصد مجمل، بأنه لا من الدنيا إلا للاستعانة بها على العبادة، حتى أنه إن سهى عن ذكر الحجة في بعض الأحوال أجزاء ذلك القصد المجمل عن تجديد ذكر الحجة.
يأخذ
فإن قيل: فإن أخذ الحلال بشهوة فهل هذا معصية؟ أو يلزمه عذاب؟ وهل الأخذ بالعذر فرض أم لا؟ قيل له: إن ذلك فضيلة وخير وحسنة والأمر فيه أمر تأديب، وليس في تركه معصية ولا عذاب وإنما عليه الحبس عن الجنة والحساب عليه مدة، بأن يُسأل العبد يوم القيامة عما ذا اكتسب؟ وفيما انفق؟ وماذا أراد بذلك؟ والحبس عن الجنة مقدار الحساب في عرصة القيامة بين أهوالها ومخاوفها عطشاناً عرياناً وكفى بذلك بلية. فإن قيل: فالله تعالى قد أحل لنا هذا الحلال فاللوم والتعبير في أخذه لماذا؟ / قيل له: لترك الأدب كمن أجلس على مائدة الملك فترك الأدب فإنه يعير بذلك [250]