الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢١٩قنطرة النفس
وروي
219
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته لتطلب الربح فيما فيه خسران أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان أن أبا حازم كان يمر على الفاكهة ويشتهيها فيقول: موعدك الجنة. وقال آخرون: بل تمكين النفس من لذاتها أولى لما في ذلك من ارتياحها ونشاطها بنيل شهواتها فتخسر عنها لذة المقهور وبلادة المحصور فلا تقصر عن درك مأمول، ولا تكل عن استعانة في الأمور. وقال آخرون: بل توسط الأمرين أولى؛ لأن في إعطائها كل شهواتها سلاطة، والنفس السليطة معاندة، وفي منعها من جميع شهواتها بلادة والنفس البليدة عاجزة وفي منعها عن البعض كف السلاطة وفي تمكينها من البعض حسم لها عن البلادة وهذا لعمري أشبه المذاهب بالسداد؛ لأن التوسط في الأمور أحمد والله أعلم.
لها عن
ثم عليك أيها الطالب بالأدب في الأكل وإلا كنت حمالاً للطعم، مضيعاً للأيام، إذ علمنا يقينا أن العبادة لا يجيء منها شيء إذا امتلأت / المعدة وإن أكرهت النفس على ذلك فلا [252] تكون لتلك العبادة لذة ولا حلاوة ولذلك قيل: لا تطمع بحلاوة العبادة مع كثرة الأكل فأي نور في نفس بلا عبادة وفي عبادة بلا حلاوة.
ولهذا المعنى روي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: صحبت أكثر رجال الله تعالى فكانوا يوصونني: إذا رجعت إلى أبناء الدنيا فعظهم بأربع: قل لهم من يكثر الأكل لا يجد لذة العبادة، ومن ينم كثيراً لا يجد في عمره بركة، ومن يطلب رضى الناس فلا ينتظر رضى الرب تعالى، ومن يكثر الكلام بفضول وريبة فلا يخرج من الدنيا على دين الإسلام.
(1)
وقال بعض العلماء: جماع الخير كله في هذه الخصال الأربعة وبها صارت الأبدال أبدالاً؛ إخماص، البطون والصمت والاعتزال عن الخلق، وسهر الليل. وقال بعض الحكماء: جاهد نفسك بأنواع الرياضات والرياضة على أربعة أوجه: القوت من الطعام، قلة والغمض في المنام، والحاجة من الكلام وحمل الأذى من جميع الأنام. فيتولد من الآفات، الطعام موت الشهوات، من قلة المنام صفو الإرادات، ومن قلة الكلام السلامة من ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات.
فصل
فعليك أرشدك الله بمراعاة هذه الأعضاء الخمسة المشروحة في هذه الأبواب المتقدمة
(1) سبق أن تكلمت عن تعريف الأبدال.