قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٢١

قنطرة النفس

221

ولقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قيل له: ما تقول في رجلين أحدهما كثير الخير كثير الشر والآخر قليل الخير قليل الشر؟ فقال: لا أعدل بالسلامة شيئاً. ومثال ما قلناه حال المريض وذلك أن معالجة المرض صنفان صنف هو الدواء وصنف الاحتماء إذا اجتمعا فكأنك بالمريض قد براء وصح وإلا فالاحتماء به أولى، إذ لا ينفع دواء مع ترك الاحتماء ولقد ينفع الاحتماء مع ترك الدواء، وقد قال عليه السلام: «أصل كل دواء الحمية». والمعنى والله أعلم أنها تغني عن كل دواء وبالله التوفيق.

هو

فصل

اعلم أن هذه القناطر الأربعة المتقدمة

هي

قناطر العوائق عن الله، وعن سلوك طريق

الآخرة وهي الدنيا، والشيطان، والخلق، والنفس.

أما الدنيا: فحق لك أن تحذرها وتزهد فيها؛ لأن الأمر فيها لا يخلو من ثلاثة أوجه: إن كنت من أهل البصائر فحسبك أن الدنيا عدوة الله تعالى وهو حبيبك ووليك، وأن الدنيا نقيضة عقلك والعقل قيمتك.

وأما إن كنت من ذوي الهمم في عبادة الله تعالى والاجتهاد فيها فحسبك أن الدنيا بلغ من شؤمها ما يمنعك من إرادة العبادة فضلاً. عن اكتسابها.

وأما إن كنت من أهل الغفلة لا بصيرة لك بالحقائق ولا همة لك تبعث على اكتساب المكارم، فحسبك / أن الدنيا لا تبقى إما أن تفارقها أو تفارقك كما قال الحسن: إن [255] بقيت لك الدنيا لم تبق لها. فأي فائدة إذاً في طلبها، وإنفاق العمر العزيز عليها؟ ولقد أحسن

القائل:

ب الدنيا تساق إليك عفواً

ذاك إلى زوال

وما دنياك إلا مثل ظل أظلك ثم آذن بار تحال

فإذا نظرت بعقلك وعلمت أن الدنيا لا بقاء لها، وأن نفعها لا يفييء بضرها، وتبعاتها من كد البدن وشغل القلب في الدنيا، والعذاب الأليم والحساب الطويل في الآخرة، زهدت في فضولها ولا تأخذ منها إلا ما لا بد لك منه لتستعين به على عبادة ربك وتدع التلذذ والتنعم إلى الجنة دار النعيم في جوار رب العالمين. وأما الشيطان: فيكفيك منه ما قال الله لنبيه عليه السلام: {وَقُلْ رَبِّ أَعْوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ