قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٢٢

222

قنطرة النفس

الشَّيَاطِينِ) (1). الآية فإذا كان الرسول عليه السلام مع معرفته بربه وعصمته من عدوه محتاجاً إلى أن يستعيذ من الشيطان، فكيف بك مع جهلك ونقصك وخبث الشيطان وتجرده لمعاداتك، فإذاً لا ينجيك منه إلا الاستعاذة بالله من مكائده والجد في طاعة الله ودوام ذكره.

فإن فعلت ذلك وأظهرت عزيمة الرجال يئس منك الشيطان قال الله سبحانه: {إِنَّهُ لَيْسَ

(2)

لَهُ سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءامَنُوا) (2) … الآية ولقد صدق أبو حازم حيث قال: ما الدنيا؟ وما إبليس؟ أما الدنيا: فما بقي فحلم وما مضى فأماني، وأما الشيطان: فوالله لقد أطيع فما نفع ولقد عصى فما ضر، والله أعلم.

وأما الخلق فحسبك فيهم أنك لو خالطتهم ووافقتهم في أهوائهم / أثمت وأفسدت أمر آخرتك، وإن خالفتهم تعبت بأذاياتهم وجفواتهم، وكدرت عليك أمر دنياك، ثم لا تأمن أن يلجئوك إلى معاداتهم فتقع في شرهم ولأنهم مدحوك وعظموك أخاف عليك الفتنة والعجب، وإن دموك وحقروك أخاف عليك الحزن تارة، والغضب لغير الله أخرى فكلا الأمرين آفة

مهلكة.

ثم اذكر حالك

معهم

بعد ما

صرت في القبر ثلاثة أيام كيف يتركونك ويهجرونك وينسونك، فلا يكادون يذكرونك كأنك لم ترهم يوماً ولم يروك، فلا يبقى إلا الله سبحانه وصالح عملك. أفلا يكون من الغبن العظيم أن تضيع أيامك مع هؤلاء الخلق مع قلة الوفاء منهم، وقلة البقاء معهم وتترك خدمة الله تعالى الذي إليه مصيرك وبه حولك وتوفيقك، ولا يبقى لك إلا هو أبد الأبدين، فعوّل عليه يا مسكين في جميع حاجاتك، واتكل عليه في جميع

وعند جميع مهماتك، وبالله التوفيق.

أمورك، تجده أ أمامك، وأما النفس فحسبك منها ما تشاهده من حالاتها ورداءة إرادتها وسوء إختيارتها فهي في حال الشهوة بهيمة، وفي حال الغضب سبع، وفي حال المصيبة تراها طفيلاً، وفي حال النعمة تراها فرعوناً، وفي حال الجوع تراها مجنوناً، وفي حال الشبع تراها مختالاً، إن أشبعتها بطرت وإن جوعتها صاحت وجزعت، وهي كما قال الأول:

كحمار السـ وء أشبعته رمح الناس وإن جاع نهق فإياك أيها الرجل أن تغفل عنها فإنها كما قال خالقها العالم بها جل جلاله: {إِنَّ النَّفْسَ

(1) سورة المؤمنون الآية: 97.

(2) سورة النحل الآية: 99.

[256]