قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٣١

قنطرة العوارض

(1) ،

231

فدل أن الرزق منه تعالى لا غيره كالخلق، ثم لم يكتف بالأدلة حتى وعد فقال: إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ) (1). ثم لم يكتف بالوعد حتى ضمن فقال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأرضِ إِلَّا عَلَى الله رَزْقُهَا (2). ثم لم يكتف بالضمان حتى أقسم فقال: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ والْأَرْضَ إِنَّهُ لَحَقِّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (3). ثم لم يكتف بذلك كله حتى أمر بالتوكل فأبلغ وأنذر فقال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيَّ الَّذِي لَا يَمُوتُ (4).

فمن لم يعبأ بقوله ولم يكتف بوعده ولم يطمئن / الضمانه، ولم يقنع بقسمه، ثم لم يبال [266] بأمره ووعده ووعيده فانظر ماذا يكون حاله، فهذه والله محنة عظيمة ومصيبة جسيمة وقد قال الحسن: لعن الله أقواماً أقسم لهم ربهم فلم يصدقوه.

ويروي

أن الملائكة قالت عند نزول هذه الآية: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. هلكت

بنو آدم أغضبوا ربهم حتى أقسم لهم على أرزاقهم والله أعلم وأحكم.

مسألة

اعلم أن الجاهل قد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، والتدبير بالقلب، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة وكاللحم على الوضم وهذا ظن الجاهل، وذلك حرام في الشرع؛ لأنه قد أثنى على المتوكلين فكيف ينال مقام من مقامات الدين بارتكاب محرماته بل نكشف الغطاء عنه ونقول: إنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعلمه إلى مقاصده، وذلك محصور في أربعة أوجه:

أحدها: إما أن يكون لجلب نافع مفقود يحصله بالكسب، أو لحفظ موجود عنده يصونه بالإدخار، أو لدفع ضر لئلا ينزل به: كاللص والسباع أو لإزالة ضار قد نزل به: كالتداوي من المرض، فمقصود حركات العبد لا تعد وهذه الوجوه.

وإما جلب نافع: فيكون على ثلاثة أوجه:

أحدها مقطوع به مثل الأسباب التي ارتبطت المسببات بها، بتقدير الله عز وجل ارتباطاً مطرداً لا يختلف مثل الطعام الموضوع بين يدي الجائع المحتاج إليه، فلا يمد اليد إليه فيقول:

(1)

سورة الذاريات الآية: 58.

(2) سورة هود الآية: 6. سورة الذاريات الآية: 23.

(3)

(4) سورة الفرقان الآية: 58.