الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٣٢232
قنطرة العوارض
أنا متوكل وشرط التوكل ترك السعي ومد اليد سعي وحركة وكذلك مضغه بالأسنان فهذا جنون، وليس من التوكل في شيء فإنه إن انتظر أن يخلق الله فيه شبعاً دون أكل الخبز، ودون [267] أن يتحرك إليه، أو انتظر أن يسخر / له ملكاً يمضغ له فقد جهل سنة الله في البلاد والعباد، وكان بمنزلة من طمع في الزرع بغير بذر ولا حرث، وطمع في الولد بغير جماع زوجة وأمثال هذا مما يكثر فليس التوكل في هذا المقام بالعمل بل بالحال والعلم.
وأما العلم فهو أن يعلم أن الله خالق الطعام واليد وأنه الذي يطعمه ويسقيه. وأما الحال فيكون سكونه واعتماده على فضل الله تعالى لا على اليد والطعام إذ تجف اليد ويسلب الطعام في الحال، فإذا كان هكذا علمه وحاله فليمد اليد إليه فإنه متوكل.
والوجه الثاني: الأسباب التي ليست متعينة لكن الغالب أن المسبب لا يحصل دونها
كالذي يسافر في البادية بغير زاد فهذا متوكل بشرطين.
أحدهما: أن يكون قد راض نفسه على الصبر على الطعام أسبوعاً أو ما قاربه. والثاني: أن يكون بحيث يتقوت بالحشيش أو الأشياء الخسيسة. فبين الوجهين فرق،. في. هذا الوجه يحتمل أن يجد طعاماً أو ينتهي إلى محلة أو قرية، والوجه الأول أن يتحرك الطعام ممضوغاً في فيه فبينهما فرق ولكن الثاني قريب من معنى ا الأول.
لأنه
وقد
روي أن زاهداً أقام في جبل أسبوعاً وقال لا أسأل أحد فأوحى الله إليه فوعزتي وجلالي لا أرزقك حتى تدخل الأمصار، ففعل فأتاه الناس بالطعام فأوحى الله إليه أردت أن تذهب حكمتي بزهدك أما علمت أني أرزق عبدي على أيدي عبادي أحب إلي أن أرزقه بيد
قدرتي.
ولذلك قال بعض العلماء: لو انحاز إليّ جبل لا ماء فيه ولا حشيش ولا يطرقه إنسان وجلس فيه متوكلاً لكان آثماً مساعياً في إهلاك نفسه. فلما كان الأمر على ما وصفنا، كان [268] التباعد عن الأسباب كلها مراغمة للحكمة، فالأول / متوكل بالحال والعلم، والثاني متوكل بالحال والعلم والشرط إذ يمكن أن يؤخذ الزاد من صاحبه فيموت جوعاً والله أعلم.
الوجه الثالث: القاعد في مسجد قرية تاركاً للكسب فهذا متوكل ولكنه أضعف من الأول؛ لأنه بالقعود في المصر متعرض لأسباب الرزق ولكن هذا لا يبطل توكله إذا كان نظره إلى مسخر سكان البلد لا إلى الساكن في البلد والله أعلم.
وكما روي أن عابداً كان بالحرم، وكان رجل يأتيه كل يوم بقرصيتن يفطر عليهما ولا