الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٣٣قنطرة العوارض
233
يشتغل بغير الله عز وجل فقالت له نفسه يا هذا أسكنت إلى هذا المخلوق ونسيت رازق المخلوقين والله ليرزقنك على يد غيره ما هذه الغفلة وما هذا السكون لغير الله تعالى، فبينما هو يعاتب نفسه فإذا هو بالرجل قد أتاه بالقرصتين فردهما عليه وانتهره وبقي العباد ثلاثة أيام لمن يفتح عليه بقوت، فشكي ذلك إلى الله تعالى فرأى في منامه كأنه واقف بين يدي الله، فقال له: عبدي لم رددت عبدي بما أرسلته به إليك. فقال: يا رب بما قام في نفسي من السكون إلى غيرك. فقال: عبدي من أرسله إليك؟ قال: أنت يا رب. قال: فأنت. منك يا رب. قال: فخذ لا تعد فنام الرجل الذي يأتيه بالقرصتين فرأى كأنه واقف بين يدي ا تعالى، فقال له: لم قطعت عن عبدي القرصتين؟ فقال: يا رب ردهما علي وانتهرني. قال: لمن كنت تعطي؟ قال: لك يا رب. قال: فمر على عادتك وثوابك الجنة.
ممن
تأخذه؟ قال:
الله
الوجه الرابع: أن يكتسب على الوجه المباح في الشرع يرى كسبه وبضاعته بالإضافة إلى: قدرة الله تعالى كما يرى القلم في يد الكاتب، فلا يكون نظره إلى القلم بل إلى قلب الملك الكاتب بماذا يتحرك / وإلى ماذا يميل فإذا كان هكذا فهو ببدنه مكتسب وبقلبه عنه منقطع [269] فحال هذا أشرف من حال القاعد في بيته إذا روعيت فيه الشروط وانضاف إليه الحال والمعرفة
كما تقدم.
وقد قال بعض علماء السلف: التوكل بالقلب والاكتساب، بالبدن، فإذا اكتسبت ببدنك، واتكلت على الله بقلبك فأنت متوكل، وإن تركت العمل ببدنك واشتغل قلبك بالخلق فلست بمتوكل وسيأتي شرح ذلك إن شاء الله في باب القدر.
وأما حفظ الموجود الذي في أيدي الإنسان بالصيانة والإدخار: فإنه إن استوثق بما في يده
وظن أنه لا يزول ولا يفارقه فهذا اتكال على غير الله.
وأما إن اتكل على هذا وأيقن أنه. عند الله من
وهو قادر على إزالته وذهابه ولم يمنع حقاً
من حقوقه فهذا اتكال على الله.
ويقال: من ضعف اليقين الإستيثاق بما في يده دون ما في يد الله.
وقيل أيضاً: الثقة بالموجود سوء ظن بالمعبود والله أعلم.
وأما دفع ضار لم ينزل به من لص أو سبع أو غير ذلك من جميع المضار من الحر والبرد وغيرهما: فإن ذلك أمر مأمور به في الشرع قال الله تعالى: (خُذُوا حِذْرَكُمْ .... (1) الآية.
(1) سورة النساء، الآية: 71.