الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٣٤234
قنطرة العوارض
وقد روي: أن النبي الظاهر بين ذرعين واتخذ خندقاً حول المدينة ليحترس به من العدو، وأقام الرماة يوم أحد ليحفظوه من خالد بن الوليد، وكان يلبس لامة الحرب، وقد قال تعالى: (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ. . . (1) الآية.
وأما إزالة ضار قد نزل به: كالتداوي من المرض، فذلك مباح في الشرع أيضاً فـ[270] أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمداوات وقال: إن الذي أنزل الداء / أنزل الدواء» (2).
فقد روي
(3)
ويقال أنه عليه السلام شرب السناء بالتمر، واستعاط بالسمسم. وقال: «عليكم بالحبة السوداء فإنها شفاء من كل داء إلا السام» يعني الموت.
أن ويروي
موسي
عليه السلام قال: ممن الداء؟ قال: مني. قال: فممن الدواء؟ قال: مني. قال: فما ينفع الأطباء؟ قال: يطيبون نفوس عبادي.
فهذه الأخبار تدل على إباحة التداوي وإزالة المضار إذا كان نظر الإنسان إلى رب الدواء يتوقع الشفاء والفَرَجُ من عنده لا إلى الدواء في نفسه أنه ينفع العلاج به أو يضر تركه والله أعلم. فإن قيل: أليس قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من استرقى واكتوى فقد براء من
التوكل (1). قلنا: أليس قد ظاهر بين ذرعين وشرب الدواء وسائر ما ذكرناه آنفاً؟ فإن قيل: فما المخرج؟ قيل قال بعض العلماء من استرقى أو اكتوى متوكلاً على الرقية والكي وأن البرء من قبلهما خاصة فهذا يخرجه من التوكل ويلحقه برتبة الكفر إذا كان يضيف الحوادث إلى غير الله. وأما من آمن بمسبب الأسباب وخالق الأدوية، وتعاطى المداوات بها على ما جرت عادة الله تعالى في خلقه غير معتمد على شيء من تلك الأسباب بل هو واثق القلب أن ما حصل من ذلك فبتيسيره وما تعسّر، فبتقديره فهذا متوكل على الله بشرط أن يسلك في جميع ذلك طريق الشرع والطاعة ولا يسلك طريق المعصية والمخالفة، وبالله التوفيق.
(1) سورة النساء، الآية: 102. (2) نحو هذا الطرف عند أحمد في المسند (443/ 1)، الحاكم في المستدرك (197/ 4)، البيهقي في السنن الكبرى (343/ 9)، الطبراني في الكبير (148/ 1)، ابن أبي شيبة في المصنف (360/ 7) والزيلعي في
نصب الراية (283/ 4).
(3) طرفه عند أحمد. في المسند (510/ 2)، (138/ 6).
(4) طرف الحديث عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (389/ 9).