قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٣٧

[274]

237

قنطرة العوارض

مضطرب البال مختل الحال فإذا فوض الأمر إلى الله تعالى اطمأن قلبه وأمن من الخطر وارتاح، وقد قال بعض السلف: دع التدبير إلى خلقك من، تسترح.

ويروى أن الله سبحانه أوحى إلى داود عليه السلام تريد وأريد ولا يكون إلا ما أريد، فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد. وينشد:

يريد العبد أن يؤتي مناه

الله إلا ما أراد

يقول العبد فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفاد

والثاني من الأمرين: حصول الصلاح والخير في الاستقبال؛ وذلك لأن الأمور بالعواقب مبهمة، فكم من شر في صورة خير وكم من ضر في صورة نفع، وكم من سم في هيئة شهد، وأنت الجاهل بالعواقب والأسرار، فإذا أردت الأمور قطعاً وأخذت فيها باختيارك متحكماً فما أسرع ما تقع في هلاك وأنت لا تشعر.

ولقد حكي أن بعض العباد كان يسأل الله أن يريه إبليس اللعين، فقيل له: سل الله العافية، فأبى إلا ذلك فأظهره الله تعالى، فلما رآه العابد قصده بالضرب، فقال له إبليس: لولا أنك تعيش مائة سنة لأهلكتك وعاقبتك، فاغتر بقوله وقال في نفسه: إن عمري بعيداً أفعل ما أريد ثم أتوب، فوقع في الفسق فترك العبادة فهلك.

ففي هذا ما ينهيك عن ترك التحكم في إرادتك واللجاج في مطلوبك. وأما إذا فوضت الأمر إليه تعالى وسألته أن يختار لك ما هو صلاحك لم تلق إلا السداد والخير / إن شاء الله تعالى.

ثم إذا استخرت ربك وفوضت إليه أمرك فلا تتهمه فيما اختار لك وإن كان مكروهاً عندك، فَرُبَّ خير في صورة شر، ومحبوب في صورة مكروه، وقد قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَل اللَّهُ فِيْهِ خَيْراً كَثِيراً) (1).

وفي قصة الخضر مع موسى عليه السلام في سورة الكهف ما يدلك على ما ذكرناه: من خرق الخضر سفينة المساكين وقتل الغلام وتسوية الجدار وإنكار موسى عليه السلام ذلك عليه بظاهر الأمر، حتى فسّر ذلك الخضر عليه السلام قال الله تعالى حكاية عن العبد

(1) سورة البقرة، الآية: 216.