قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٤٩

قنطرة العوارض

249

قال وقدم على الوليد في تلك الليلة رجل أعمى من عبس فسأله عن عينيه، فقال: بت ليلة في بطن واد ولا أعلم في الأرض عبسياً يزيد ماله على مالي، فطرقنا سبيل فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد غير بعير وصبي وكان البعير صعباً فاتبعته فما جاوزت الصبي إلا يسيراً حتى سمعت صوته فرجعت فأصبت / رأس الذئب في بطنه، ثم اتبعت البعير لأخذه فنفحني [286] وجهي فحطني فأصاب فأصبحت لا أهل لي، ولا مال، ولا ولد، ولا

برجله فأصاب

بعير.

عيني

فقال الوليد: انطلقوا به إلى عروة ليعلم أن في الأرض من هو أعظم منه بلاء.

وكان يقال: العاقل لا يذل بأول نكبة ولا يفرح بأول نعمة فربما أقلع المحبوب عن ما

يحبه، وأجلى المكروه عن ما يسره.

وقال بعض السلف: مكاره الدنيا تنقسم قسمين:

فقسم فيه حيلة والاضطراب دواءه، وقسم لا حيلة فيه والاصطبار شفاؤه.

وعن شريح أنه قال: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله تعالى عليها أربع مرات، أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي وأحمد الله إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده تبارك اسمه إذ وفقني للاسترجاع، وأحمده تعالى إذ لم يجعلها في ديني.

وعن المدائني أنه قال: رأيت في البادية امرأة لم أر أنضر جلداً ولا أحسن وجهاً منها فقلت: بالله إن فعل هذا بك إلا اعتداء السرور.

فقالت: كلا والله إني لبدع أحزان وحلف هموم كان لي زوج وكان لي منه ابنان، فذبح أبوهما شاة فقال أحدهما ابني لأخيه: هلم افعل بك كما فعل أبونا بالشاة فذبحه فلما رأى الدم فزع ففر نحو الجبل فأكله الذئب فخرج أبوه في أثره فتاه فمات عطشاً. قال: فقلت لها كيف رأيتك والصبر؟ فقال: لو دام لي لدمت ولكنه كان جرحاً فاندمل.

وفي رواية محمد بن خالد القرشي يرفعه قال: خرجت حاجاً فبينما أنا أطوف إذا بامرأة قد أضاء ما حولها من حسن وجهها فقال رجل كان إلى جنبي والله ما رأيت مثل هذه قط نضارة

وحسناً وما ذاك إلا من

قلة الهم والحزن فلما سمعت ذلك قالت: يا هذا الرجل / والله إني [287]

مكلومة الفؤاد بالهموم والأشجان ما يشاركني فيها أحد.

قال لها الرجل: كيف ذلك؟ قالت: ذبح زوجي شاة ضحى بها ولي ولدان صغيران