الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٠250
قنطرة العوارض
يلعبان وعلى ثديي طفل يرضع، فقمت لأصنع لهم منها طعاماً فقال ابني الأكبر للأصغر: ألا أريك كيف صنع أبي بالشاة؟ قال: نعم.
فأضجعه ووضع الشفرة على حلقه فما رفع الشفرة حتى ذبحه، فلما رأى الدم وعلا الصراخ خرج الصبي فاراً نحو الجبل فرمقه الذئب فأكله، فانطلق أبوه في أثره فمات عطشاً. فقمت ووضعت الطفل في الأرض وخرجت إلى الباب أنظر ما فعل أبوهم فدب الطفل يده إلى البرمة التي على النار فوضع يده فيها فصبها على نفسه وهي تغلي فتناثر لحمه من على عظمه، فبلغ ذلك ابنة لي كانت عند زوجها فضربت بنفسها الأرض فماتت فأفردني الدهر من فقال لها الرجل: كيف صبرك على هذه المصائب الجليلة؟ قالت: يا هذا ما. من أحد ميز الصبر والجزع إلا وجد بينهما منهاجاً، أما الصبر فحسن العلانية محمود العاقبة، وأما الجزع
بينهم.
فصاحبه غير معوّض عوضاً.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيكم يحب أن يصح ولا يسقم»؟ قالوا: كلنا يا رسول الله. قال: «أتحبون أن تكونوا مثل الحمير الصيالة ألا تحبون أن تكونوا من أصحاب الكفارات؟ والذي بعثني بالحق إن الرجل لتكون له الدرجة في الجنة ما يبلغها بشيء من فيبتليه الله تعالى بالبلاء فيبلغ تلك الدرجة (1).
عمله
ويقال: ما كرم عبد على الله تعالى إلا زاد البلاء عليه شدة. واعلم أن الصبر على المصائب يعقب الإنسان الراحة ويكسب الأجر والثواب عنها،
[288] فينبغي للإنسان أن / يصبر طائعاً، وإلا احتمل هماً لازماً وصبراً كارها آثماً. وقد قال عليه السلام: ليس المصاب من أصيب بمصيبة ولكن المصاب من حرم أجر
المصيبة».
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن صبرت مضى أمر الله وكنت مأجوراً، وإن جزعت مضى أمر الله وكنت مأزوراً».
وقالت الحكماء: الجزع أتعب من الصبر ففي الجزع التعب والوزر وفي الصبر الراحة
والأجر. وينشد:
(1) أطراف الحديث عند السيوطي في الدر المنثور (228/ 2) الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (9: 524) والجامع الكبير المخطوط الجزء الثاني (666/ 2) والبخاري في التاريخ الكبير: (7: 267)، وابن معد في
الطبقات (7) 198/ 2)