الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٥١قنطرة العوارض
251
فإذا تصبك مصيبة فاصبر لها عظمت مصيبة مبتلى
وقال آخر:
وعودت أجراً من فقيد فلا يكن فقيدك لا يأتي وأجرك يذهب
وعن علي بن أبي طالب أنه قال للأشعث بن قيس: إن تجزع فقد استحقت ذلك منك الرحم وإن تصبر ففي ثواب الله عز وجل، وإنك إن تصبر جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور. فذكر ذلك أبو تمام فقال:
خلقن
وقال علي في التعازي لأشعث وخاف عليه بعض تلك المأثم أتصبر للبلوى عزاء وحسبة فتؤجر أو تسلو سلو البهائم رجالاً للتجلد والعزا وتلك الغواني للبكاء والمأثم وقال شبيب بن شبت للمهدي: إن أحق ما يصبر عليه ما لم يوجد سبيل إلى دفعه. فإن قيل فيماذا درجة الصبر؟ في المصائب وليس الأمر فيه اختيار الإنسان.
فاعلم أنه إنما يخرج عن مقام الصابرين بالجزع وشق الجيوب، وضرب الخدود، والمبالغة في الشكوى وإظهار الكآبة، وتغيير العادة في الملبس وغيره فهذه الأمور داخلة تحت اختياره فينبغي أن يجتنب جميعها ويظهر الرضى بقضاء الله تعالى ويبقى مستمراً على عادته ويعتقد أن / ذلك كانت وديعة فاسترجعت ويقال: الصبر الجميل هو أن لا يعرف صاحب [289] المصيبة من غير والله أعلم.
وأما توجع القلب وفيضان الدمع على الميت فإن ذلك مقتضى البشرية، ولذلك لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضت عيناه فقيل له: أما نهيتنا عن هذه؟ فقال: «إنما بكيت من عباده الرحماء ولكن إنما نهيتكم عن صوتين أحمقين فاجرين خدش
الله رحمة له إنما يرحم. الخدود وشق الجيوب». والله أعلم.
القسم الثالث: الصبر على ما فات إدراكه من رغبة يرجوها ومسرة يأملها.
فإن الصبر عنها يعقب السلو عنها والأسف عليها بعد الإياس منها يجدد الحزن والكمد من أجلها، وقد قال الله تعالى: {لكَيْ لاَ تَأْسَوُا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا
أَناكُمْ) (1).
(1) سورة الحديد، الآية: 23.