الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٥قنطرة العوارض
255
مقتضى شهوات الطبع وإظهار الجزع والهلع فقد استكمل الشر بحذافره، واستوجب عقوبة
الدارين عند ربه.
واعلم أن الصبر على السراء وتتابع النعماء أشد من الصبر على الضراء وأنواع البلاء، فإن من لم يضبط نفسه عن الاسترسال في شهوات الدنيا والتنعم بملاذها والانهماك فيها أخرجه
ذلك إلى البطر والطغيان قال الله تعالى: {كَلاً إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى (1).
وقال بعض العارفين: البلاء يصبر عليه المؤمن، والعوافي لا يصبر عليها إلا صديق. / وقال بعضهم: الصبر على العافية أشد من الصبر على البلاء، ويروى أنه لما فتحت [293] أموال الدنيا على الصحابة قالوا ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر. فلذلك حذر الله عباده من فتنة المال والزوجة والولد، فقال تعالى: {لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ
وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (2).
وقال: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ ()
وقال عليه السلام: «الولد مبخلة مجبنة محزنة» (4).
فالرجل كل الرجل من يصبر على العافية، ومعنى الصبر عليها هو أن لا يركن إليها، وأن يعلم أن ذلك مستودع عنده، وأن لا يرسل نفسه في الفرح بها، ولا ينهمك في اللهو واللعب والتنعم بها وأن يراعي حقوق الله تعالى في ماله بالإنفاق، وفي يده ببذل المعونة للخلق، وفي لسانه ببذل الصدق، وفي سائر ما أنعم الله تعالى عليه بإقامة الشكر، وإنما كان الصبر على السراء أشد لأنه مقرون بالقدرة فمعلوم أن الجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه إذا أحضرته الأطعمة اللذيذة، وقدر عليها، ولهذا عظمت فتنة السراء والله أعلم.
فصل في دواء الصبر على البلايا والأقسام المتقدمة
اعلم أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء، ووعد الشفاء فالصبر وإن كان شاقاً على النفس فتحصيله ممكن في المعقول، فنقول: الصبر على المصائب والشدائد يهون على النفس
(1) سورة العلق، الآيتان: 6 - 7.
(2)
(3)
سورة المنافقون، الآية: 9.
سورة التغابن، الآية: 14.
(4) قال الحافظ العراقي في المغني (ج) 4 ص 108 طبعة دار الحديث أخرجه أبو يعلى الموصلي من حديث
أبي سعيد.