الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٨258
قنطرة العوارض
وعن خباب بن الأرت أنه قال: شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا؟ فقال: كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنين وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون (1).
ومنها أن يتأسى بذوي المصائب ويعلم أنهم الأكثرون عدداً، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ألصقوا بذوي الغير تتسع قلوبكم.
ويروى أن يونس عليه السلام قال لجبريل عليه السلام دلني على أعبد أهل الأرض، [297] قال: فدله على رجل قطع الجذام يديه ورجليه وذهب ببصره وسمعه وهو يقول: / اللهم متعتني ما شئت أنت وسلبتني ما شئت أنت وأبقيت لي فيك الأمل يا بار يا وصول.
حكاية وقال بعض العلماء كان في بعض الأزمنة جبار يعذب الناس على دينهم، فأوتي بامرأة فأمر بقطع يديها ورجليها فقطعتا وما تكلمت فلما أوتي بالنار لتكوى صرخت بالبكاء، فقيل لها في ذلك فقالت: والله ما جزعت من ناركم ولا أسفت على الدنيا، ولكن ذكرتني " هذه النار نار جهنم فصرخت من أجل ذلك، قال: وكحلت عيناها بمرود محمى بالنار. وقيل: لما أمر بها لتقطع يداها ورجلاها قالت: الحمد لله على السراء والضراء والشدة والرخاء والعافية والبلاء، لقد كنت آمل في ذات الله ما هو أكثر من هذا، فلما قطعت يداها ورجلاها جعل الدم يفور ولا ينقطع فلما أحست بالموت قالت: حياة كدورة وموتة طيبة، لئن نلت ما أملت من جزيل الثواب، لقد نلت سروراً عظيماً لا يضر معه كدر الدنيا الفانية إذا صرت إلى الراحة الدائمة ثم اضطريت حتى ماتت.
حكاية أخرى وعن الحسين البصري أنه قال: تعبّد رجل على رأس جبل وكان اسمه عقيباً، وكان في ذلك الزمان جبار يعذب الناس ليرجعوا عن دينهم، فقال عقيب: لو نزلت إلى هذا الجبار فأمرته بتقوى الله كان أوجب عليّ، فنزل من الجبل فقال: يا هذا اتق الله في عباده. فقال له الجبار: مثلك يأمرني بتقوى الله لأعذبنك بعذاب لم أعذب به أحد من العالمين،
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (ج) 4 ص 203 طبعة دار الحديث) أخرجه البخاري.