الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٦٢262
قنطرة العوارض
يقول: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (1). فقلت: ألست صاحبي. قال: بلى. قلت: فما فعل الله بك؟ قال: إني قدمت على ربي فغفر لي فإن الله عز وجل درجة لن تنالوها إلا بالشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء.
حكاية أخرى: ويروى أن يونس عليه السلام قال: يا جبريل أرني أعبد أهل الأرض، [30] قال: فأوقفه على رجل قطع الجذام يديه ورجليه وهو يقول: / يا إلهي متعتني بهما ما شئت أنت وسلبتني ما شئت أنت وبقي لي فيك الأمل يا بار يا وصول، قال يونس: يا جبريل أحب أن تريني صواماً قواماً، قال إنه كذلك في صحته وقد أمرت أن أسلب عينيه فأوميء جبريل عليه السلام بعينه إلى عيني المبتلي فسالتا على وجهه فرفع رأسه إلى السماء فقال: متعتني بهما حيث شئت وسلبتنيهما حيث شئت وبقي لي فيك الأمل يا بار يا وصول. فقال يونس: يا عبد الله هل لك أن تدعو الله ونؤمن على دعائك الله ويرد عز وجل عليك جوارحك وتقوم إلى عبادة ربك. قال: لا حاجة لي في ذلك. قال له: ولم؟ قال: إن كانت محبة ربي في هذا فأنا أكره أن أؤثر محبتي على محبته.
فقال جبريل عليه السلام: يا يونس إنه لا يوصل إلى ثواب الله عز وجل إلا بالشكر عند
الرخاء والصبر عند البلاء.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يود أهل العافية لو أن جلودهم قرضت بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء (2).
فإذا تفكر العاقل في هذه الحكايات وأمثالها وتسلى بأصحابها أورثه ذلك حسن العزاء
فخف شجوه وقلّ هلعه وعلى هذا كانت مراثي الشعراء، حتى قال البحتري: فلا عجب للأسد أن ظفرت به كلاب الأعادي من فصيح وأعجم فحربة وحشي سقت حمزة الردا وموت علي من حسام ابن ملجم وفي بعض الحكمة: طوبى لمن غلب بتقواه، هواه وبصبره شهوة نفسه ألا وأن الصبر كنز من كنوز الجنة لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عليه.
(1) سورة الرعد، الآية: 24.
(2) أطراف الحديث عند البيهقي في السنن الكبرى (375/ 3)، والترمذي، (202)، والمنذري في الترغيب والترهيب (282/ 4) والمتقي الهندي في كنز العمال (6661) والسيوطي في اللآلاء المصنوعة
(214/ 2). والتبريزي في مشكاة المصابيح (1570).