الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٦٤قنطرة العوارض
264
فأوضحه المتنبي فقال:
بذا قضت الأيام ما بين أهلها مصائب قوم عند قوم فوائد / ومنها أن يعلم أن طوارق الإنسان من دلائل فضله، ومحنة من شواهد نبله، ولذلك إحدى علتين: إما لأن الكمال معور والنقص لازم، فإذا توفر الفضل عليه في أمر صار النقص
فيما سواه.
وقد قيل: من زاد في عقله نقص من رزقه، وقد روي عن النبي أنه قال: «ما
انتقصت جارحة من الإنسان إلا كانت ذكاء في عقله». وينشد:
إذا جمعت بين امرأين صناعة فاحببت أن تدري الذي هو أحذق فلا تتفقد منهما غير ما جرت به لهما الأرزاق حين تفرق فحيث يكون النقص فالرزق واسع وحيث يكون الفضل فالرزق أضيق وإما لأن الفضل محسود وبالأذى مقصود، فلا يسلم من طعن حاسد وترة معاد. وقد
قال الصنوبري: محن الفتى يخبرن عن فضل الفتى كالنار مخبرة بفضل العنبر وقل ما تكون محنة فاضل إلا من جهة ناقص وبلوى عالم إلا على يد جاهل؛ لاستحكام العداوة بينهما: بالمباينة وحدوث الانتقام لأجل التقدم. قال الشاعر:
فلا غرو أن يبلى أديب بجاهل فمن ذنب التنين تنكسف الشمس
ومنها ما يستفيد من الحكمة بنوائب عصره، فيطلب عدوه ويستقيم حاله بما جرب من حالتي دهره في الشدة والرخاء، ويتعظ أيضاً بما اختبر من أمور زمانه فلا يغتر برخاء ولا يطمع في استواء ولا يأمل أن تبقى الدنيا على حالة، فإن من عرف الدنيا وخبر أحوالها هان عليه بؤسها ونعيمها. وأنشد لبعض الأدباء:
يسعى
إني رأيت عواقب الدنيا فتركت ما أهوى لما أخشى فكرت في الدنيا وعالمها فإذا ميع أمورها تفني / وبلوت أكثر أهلها فإذا کل، في شانه أسنى منازلها وأرفعها في العز أقربها من المهوى تقفو مساؤها محاسنها لا فرق بين النعي والبشرى ولقد مررت على القبور فما ميزن ن العبد والمولى
[r.o]
[306]