الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٦٧قنطرة العوارض
267
ومن لم يشعر نفسه ما ذكرناه من أحوال الدنيا وتقضي مسارها، ثم مصير أهلها إلى القبور صرعاً بين الجنادل والصخور، قد فارقهم الأحباب حين سكنوا التراب، ألفته الحوادث جازعاً وتضاعف عليه من شدة الأسى ما لا يطيق عليه صبراً ولا له دفعاً.
ومما يعين على شدة الجزع ويبعث على المصائب أسباب الهلع، تذكره المصائب النازلة، وتصوره المسار المنقضية حتى لا يجد. التذكار سلوة، ولا يخلط مع التصور تعزية.
الله عنه لا تستغزر الدموع بالتذكر، وينشد:
وقد قال عمر بن الخطاب رضي ولا يبعث الأحزان إلا التذكر
ويروي
أن الحجاج بن يوسف لما مات ابنه محمد جزع عليه جزعاً شديداً فقال: إذا غسلتموه فأروني ذلك، فأعلموه فلما دخل البيت عليه قال متمثلاً: الآن لما كنت أجمل من مشى وأفترنا بك عن شباب القادح / وتكاملت فيك المروءة كلها وأعنت ذلك بالفعال الصالح
(1).
فقيل له: اتق الله أيها الأمير واسترجع فقال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (1).
ثم أنشأ أبياتاً تركتها مخافة التطويل.
ومما يبعث علي الجزع أيضاً شدة الأسف والحسرة، فلا يرى للمصيبة عوضاً، ولا لمفقوده بدلاً فيزداد بالأسف ولعاً، وبالحسرة هلعاً ولذلك قال الله تعالى: {لكَيْلاً [تَأْسَوا] (2) عَلَى مَا فَاتَكُمْ (3) الآية. وقال بعض الشعراء:
الله
إذا ابتليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو اليأس يقطع أحياناً بصاحبه لا تأسفن فإن الصانع الله
إذا قضى الله فاستسلم لقدرته ما لامراء حيلة فيما قضى الله ومما يبعث على الجزع أيضاً كثرة الشكوى وبث الجزع وقيل في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً) (4): إنه الصبر الذي لا شكوى فيه ولا بث.
(1) سورة البقرة، الآية: 156.
(2) ساقطة من المخطوط. (3) سورة الحديد، الآية: 23. (4) سورة المعارج، الآية: 5.