قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٦٩

[311]

قنطرة العوارض

269

فلا تصحبن اليأس إن كنت عالماً لبيباً فإن الدهر تنشر أموره واعلم أنه قد قلّ من صبر على شدة إلا كان انكشافها سريعاً، وقد حكي أن بعض الكتاب يقال له: أبو أيوب حبس في السجن خمس عشرة سنة حتى ضاقت حيلته، وقلّ صبره،

فكتب إلى بعض إخوانه يشكو طول حبسه وقلة صبره ورد عليه جواب رقعته فقال: صبراً أبا أيوب صبر مفرج إذا عجزت عن الخطوب فمن لها إن الذي عقد الذي انعقدت له عقد المكاره فيك يملك حلها صبراً فإن الصبر يعقب راحة ولعلها أن تنجل ولعلها

فأجابه أبو أيوب: صبرتني ووعظتني وأنا لها وستنجلي بأن لا أقول لعلها ويحلها من كان صاحب عقدها كرما به إذ كان يملك حلها

/ قال: فلم يلبث في السجن بعد ذلك إلا أياماً حتى أطلق مكرماً والله أعلم. وهذا الذي ذكرناه من الأشياء المتقدمة هو دواء الصبر على سائر أنواع البلايا والله أعلم. دواء الصبر عن شهوة البطن والفرج، فإنه إذا غلبت عليه بحيث لا يملك فرجه، أو يملك فرجه ولا يملك عينيه، أو يملك عينيه ولكن لا يملك قلبه ونفسه، إذ لا يزال تحدثه بمقتضيات الشهوة وتصرفه عن المواظبة على الذكر والفكر والأعمال الصالحات.

فالسبيل إلى تضعيف باعث الشهوة ثلاثة أمور:

أحدها: أن يقطع مادة الشهوة وهي الأغذية اللذيذة فلا بد من تغليلها بالصوم الدائم مع الاقتصار عند الإفطار وعلى طعام قليل في نفسه ضعيف في جنسه فيحترز عن اللحم والأطعمة

المهيجة للشهوة، وهذا يضاهي قطع العلف عن البهيمة الجموح لتضعف فتسقط قوته. الثاني: قطع أسباب الجماع المهيجة له في الحال؛ فإنه إنما يهيج بالنظر إلى الصور المشتهات ولذلك قال عليه السلام: النظر سهم مسموم من سهام إبليس (1) لأنه يحرك القلب، والقلب يحرك الشهوة؛ وهذا يحصل بالعزلة وتغميض الأجفان والهروب من صوب

(1) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 1 ص 365 طبعة دار الحديث). أخرجه الحاكم وصححه إسناده من حديث حذيفة. وقال المحقق أخرجه الحاكم (314/ 4) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي بقوله: إسحاق واه وعبد الرحمن هو الواسطي ضعفوه، وقال الألباني في الضعيفة / 1065) ضعيف

جداً.