قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٧٠

270

قنطرة العوارض

رمي إبليس؛ فإنه إنما يرمي هذا السهم عن قوس الصور المشتهات فإذا اعتزلتها لم يصبك رمي

إبليس.

والثالث: تسلية النفس بالمباح من الجنس الذي تشتهيه وذلك بالنكاح فإن كل ما يشتهيه

الطبع ففي المباحات ما يغني عن المحرمات.

وهذا هو العلاج الأنفع في حق الأكثر، فإن قطع الغذاء يقطع عن سائر الأعمال، ثم [312] / لا يقمع الشهوة قمعاً شافياً في حق الأكثر، ولذلك قال عليه السلام: «معاشر الشباب من استطاع منكم الباه فليتزوج ومن لم يستطع فليصم فإن الصوم له وجاء» (1).

فهذه ثلاثة أسباب فالعلاج:

الأول: يضاهي قطع علف البهيمة الجموح لتسقط قوته.

والثاني: يضاهي تغييب اللحم عن الكلب والشعير عن البهيمة حتى لا تتحرك بواطنه

المشاهدة لذلك. بسبب

والثالث: يضاهي تسليتها بشيء قليل كما يميل إليه طبعها حتى يبقى معها من القوة ما تصبر به على التأديب والله أعلم، وكذلك علاج الشهوة من الطعام على هذا الحال، وقد تقدم في باب الزهد والقناعة وشهوة البطن ما يغني عن ذلك.

فهذا منهاج العلاج في جميع أنواع الصبر، وإنما أشدها كف القلب عن حديث النفس، وإنما يشتد ذلك عن متفرغ له، فإن قمع الشهوة الظاهرة وآثر العزلة وجلس للمراقبة والذكر والفكر، فإن الوساوس لا تزال تجاذبه من جانب إلى جانب، وهذا لا علاج له البتة إلا قطع علائق الدنيا عن القلب ظاهراً وباطناً بالفرار عن الأهل والأولاد، والمال، والجاه، والأصدقاء والاعتزال من جبل إلى جبل إن قدر على ذلك. مع يسير من القوت والقناعة ثم لا يكفي كل ذلك ما لم تصر الهموم هماً واحداً وهو الله سبحانه.

ثم إذا غلب ذلك على القلب فلا يكفي ما لم يكن له مجال في ملكوت السموات والأرض وسائر معرفة الله تعالى وعجائب صنعه وإن لم يكن له مسير بالباطن إلى الله تعالى فلا إلا العبادة المتصلة المرتبة في كل لحظة من القراءة والذكر والصلاة / مع إحضار القلب

[313] ينجيه

معها.

(1) قال الحافظ العراقي في المغني (ج 2 ص 36 طبعة دار الحديث في نحوه متفق عليه من حديث ابن

مسعود.