الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٧١قنطرة العوارض
المبين، ومع
271
واعلم أن هذا لا يمكن إلا لمن رزقه الله قوة اليقين، ومنحه الصبر ومجاهدة الهوى بالجد ذلك لا يسلم له إلا أقل الأوقات إذ لا يخلو عن حوادث تشغله عن الفكر والذكر من مرض أو خوف أو أذى إنسان أو تعلق قلب بأسباب المعيشة ولكن بعد قطع العلائق كلها تسلم له أكثر الأوقات إن لم تنزل به ملمة واقعة وفي تلك الأوقات يصفو القلب ويتيسر الفكر وهذا أقصى ما يقدر عليه الإنسان بالمجاهدة.
وقال بعض العلماء: المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل على المؤمن، وهجر الخلق في جنب الحق شديد والمسير بالنفس إلى الله تعالى صعب شديد، والصبر مع ا الله أشد، فذكر شدة الصبر عن شواغل القلب ثم شدة هجران الخلق وأشد العلائق على النفس علاقة الخلق وحب الجاه، وعلاجهما: الاعتزال وإخمال النفس ولا يصلح ذلك إلا بالزهد الكامل والمجاهدة التامة حتى يملك العبد شهوته وغضبه فينقادان للشرع وذلك هو
الحقيقي.
الملك
وقد حكي عن بعض الملوك قال لبعض الزهاد هل لك من حاجة؟ قال وكيف اطلب منك حاجة وملكي أعظم من ملكك؟ قال: وكيف؟ قال: من أنت عبده فهو عبدي، قال: أنت عبد شهوتك، وغضبك، وفرجك، وبطنك وقد ملكت هؤلاء كلهم فهم عبيدي. فإذا هذا الملك
هو في الدنيا الذي يسوق صاحبه إلى ملك الآخرة لا الملك الذي لا يخلو من المنازعات والمكدرات وطول الهموم في التدبرات مع انقطاعه بالموت والفناء وبقاء تباعته على الإنسان في العقبى.
فما أعظم اغترار الإنسان / إذ ظن أنه ينال ملك الآخرة بطلبه ملك الدنيا الذي يصير به [314] الإنسان مملوكاً لشهوته وغضبه وبطنه وفرجه ومثل هذا لا يكون إلا منكوساً في الدنيا معكوساً في الآخرة والله أعلم.
وأما علاج الصبر عن الرئاسة والجاه فيحصل بثلاثة أمور:
أحدها: بالهرب عن مواضعها حتى لا يشاهد أحد أسبابه فيعسر عليه الصبر.
ذلك
والثاني: أن يكلف نفسه ترك الأعمال التي تقتضي التكبر ويستعملها أعمالاً تفيده التواضع في جميع أحواله من ملبس أو مطعم أو مأكل، أو مركب، حتى يرسخ نفسه فيكون متواضعاً.
في