الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٧٨278
قنطرة العوارض
فقال له بعض الحكماء: إن ترك الطلب يضعف الهمة، ويذل النفس، وصاحبه صائر إلى أخلاق ذوات الأجحرة من الحيوانات كالضب، وسائر الحشرات تنشأ في أجحرتها وفيها يكون موتها.
:
ثم جمعوا بين القدر والطلب فقالوا: إنهما كالعدلين على ظهر إن حمل في واحد منهما أرجح مما حمل في الآخر سقط حمله وتعب ظهره، وإن عادل بينهما سلم ظهره ونجح سفره. وضربوا في ذلك مثلاً عجيباً وقالوا: إن أعمى ومقعداً كانا في قرية بفقر وضر ولا قائد [321] للأعمى ولا حامل للمقعد، فكان في القرية رجلا يطعمهما كل يوم / قوتهما احتساباً فلم يزالا في عافية إلى أن هلك الرجل المحتسب. فلبثا بعده أياماً فاشتد جوعهما وبلغ الضرر منهما جهده، فأجمع رأيهما على أن يحمل الأعمى المقعد فيدوران في القرية يستطعمان أهلها ففعلا فنجح أمرهما، فلو لم يفعلا ذلك لهلكا.
فكذلك القدر سببه الطلب، والطلب سببه القدر وكل واحد منهما معين لصاحبه قال: فأخذ ذلك الملك في الطلب فظفر بأعدائه ورجع إلى ملكه وكان يقول بعد ذلك: لا تدعن الطلب اتكالاً على القدر ولا تجهدن نفسك في الطلب معتمداً عليه مستهيناً بالقدر، فإذا أجهدت نفسك بالطلب بوجوه التدبير مصدقاً بالقدر نلت ما تحاول وإن التوت مع ذلك عليك الأمور فذلك من عوق القدر وأنك قد أتيت ذنباً، وتفقد جوارحك وتب إلى الله من كل ذنب واخرج من كل مظلمة فإذا أنت فعلت قابلك الحظ وساعدك القدر إن شاء الله.
فصل
فإن قال قائل: هل يزيد الرزق بالطلب أو ينقص بترك الطلب أم لا؟ قيل له: عند بعضهم لا؛ لأن المكتوب في اللوح المحفوظ مقدر مؤقت لا تبديل لحكم الله ولا تغيير لقسمته
وكتابته.
ويروى عن بعض العلماء من أصحاب حاتم وشقيق: أن الرزق لا يزيد ولا ينقص بفعل العبد ولكن المال يزيد وينقص، وهذا عند أصحاب القول الأول فاسد؛ لأن الدليل في الموضعين واحد وهو الكتابة والقسمة وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لْكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ
وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا أَتَاكُمْ) (1).
(1) سورة الحديد، الآية: 23.