الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١١٥قنطرة العلم
99
ولا ينبغي أن يتكبر على فن من العلوم المحمودة؛ فإن العلوم على درجاتها: إما سالكة بالعبد إلى الله تعالى، أو معينة على السلوك نوعاً من الإعانة ولها منازل مرتبة في القرب والبعد
من المقصود.
ومن تكبر الطالب للعلم أن يستنكف عن الاستفادة والتعلم إلا من المشهورين الكبراء، وذلك عين الحماقة، فإن العلم سبب النجاة، والسعادة، فمن طلب مهرباً من سبع ضارٍ يفترسه، لم يفرق بين أن يرشده إلى الهرب مشهور، أو خامل وضراوة سباع النار بالجهل بالله تعالى أشد ضراوة من كل سبع فالحكمة ضالة المؤمن يغتنمها حيث يظفر بها، ويتقلد المنة لمن ساقه إليها كائناً من كان نبيهاً كان أو خاملاً، ولا يطلب الصيت وعلو الذكر باتباع أهل من العلماء إذا كان النفع بغيرهم أعم إلا أن يستوي النفعان، فيكون الأخذ عن من اشتهر ذكره، وارتفع قدره أولى؛ لأن الانتساب إليه أجمل والأخذ عنه أشهر، وقد قال الشاعر: إذا أنت لم يشهرك علمك لم تجد لعلمك إنساناً من الناس يقبله وإن صانك العلم الذي قد حملته أتاك له من يجتنيه ويحمله فمهما تكبر المتعلم عن العلم انحرف العلم عنه وصعب عليه بعد ذلك طلبه. ولذلك
المنازل
قال بعضهم:
العلم حرب للفتى المتعالي كالسيل حرب للمكان العالي / ولذلك قيل: إن المتواضع من طلاب العلوم أكثرهم علماً، كما أن المكان المنخفض [1/ 103] أكثر البقاع ماء (1). القسم السابع: ينبغي للمتعلم أن يحترز من مبدء الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس، سواء كان ذلك من علوم الدنيا أو من علوم الآخرة؛ لأن ذلك يدهش عقله، ذهنه، ويفتر ويحير رأيه ويؤيسه عن الإدراك. بل ينبغي له أن يتقن أولاً الطريقة الواحدة المرضية عند أستاذه إذا كان أستاذه نقاداً بصيراً بفنون العلم مستقلاً باختيار رأي واحد ومذهب واحد وإن كان أستاذه إنما عادته نقل المذاهب وما فيها ولم يعتقد رأياً واحداً فليحذر منه، فإن إضلاله أكثر من إرشاده. فلا يصلح الأعمى لقود العميان وإرشادهم فمن حاله هذا فهو بعد في عمى الحيرة،
ورتبة الجهل.
(1) راجع الوظيفة الخامسة في الإحياء (51/ 1، (52) وهذا الكلام فيها باختصار.
قناطر الخيرات ج/ 1/ 8