الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٠١[3456
قنطرة الخوف والرجاء
فصل
اعلم أن استقامة العبادة لا تصح لطالبها إلا باستشعار الخوف والرجاء والتزامهما، أما الخوف فيجب التزامه لأمرين:
أحدهما: الزجر عن المعاصي فإن هذه النفس الأمارة بالسوء ميالة إلى الشر، طماحة إلى الفتنة، لا تنتهي عن ذلك إلا بتخويف عظيم وتهديد بالغ وليست هي في طبعها حرة يهمها الوفاء ويمنعها الحياء عن الجفاء، وإنما هي كما قال القائل:
العب
د يقرع بـ
العصى والحر تكفيه الملامة
والتدبير في أمرها أن تقرعها أبداً بسوط التخويف قولاً وفعلاً نحو ما ذكر عن بعض الصالحين أن نفسه دعته إلى معصية فانطلق ونزع ثيابه وجعل يتمرغ في الرمضاء ويقول: ذوقي فإن نار جهنم أشد حراً من هذه يا جيفة بالليل بطالة بالنهار.
والثاني: لئلا تعجب بالطاعة فتهلك، بل يقمعها بالذم والعتب والنقص من الأسواء والأوزار التي فيها ضروب الأخطار، وذلك نحو ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو أخذني الله أنا وأخي عيسى بما عملت هاتان الأصبعان لعذبنا بعذاب لم يعذب به أحد».
وعن الحسن كان يقول: ما يؤمن أحدنا أن يكون قد أصاب ذنباً، فأطبق باب المغفرة دونه وهو يعمل في غير معمل. وعن ابن السماك فيما يعاتب به نفسه تقولين قول الزاهدين وتعملين عمل المنافقين، وفي الجنة تطمعين هيهات هيهات إنّ للجنة قوماً آخرين ولهم أعمال غير / ما تعملين. فهذه وأمثالها مما يلزم العبد تذكيرها للنفس وتكريرها عليها لئلا تعجب بطاعة الله أو تقع
في معصيته.
(1) ،
وعن ابن المبارك أنه قال: الذي يهيج الخوف حتى يسكن في القلب دوام المراقبة في السر والعلانية وقد فرض الله على العباد أن يخافوه وقال تعالى: {وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ) () وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (2) وقال: {فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ) (3) في أمثالها.
(1) سورة آل عمران الآية: 175.
(2) سورة البقرة، الآية: 40. (3) سورة المائدة، الآية: 44.