الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٠٤304
قنطرة الخوف والرجاء
ثم انظر إلى داود خليفة الله في أرضه، أذنب ذنباً واحداً فبكى عليه حتى قيل: أن العشب نبت من دموعه، وعن بعض العلماء أن داود عليه السلام خرّ ساجداً أربعين سنة (1)، فرفع رأسه وما في جبهته نخارة لخم وعن الأوزاعي قال: كانت عينا داود كالقربتين تنطفان الماء، ولقد كانت الدموع أخذت في وجهه كجرية الماء في الأرض.
وعن مجاهد قال: مكث أربعين يوماً ساجداً لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموع عينيه، فنودي يا داود أجائع فتطعم، أم ظمآن فتسقى، أم عار فتكسى فأجيب في غير ما طلب، فنحب نحبة فاحترق العشب من حر جوفه، ثم أنزل الله عليه التوبة المغفرة. فقال: يا رب اجعل خطيئتي في كفي.
فما كان يبسط كفه لطعام ولا شراب ولا شيء سوى ذلك إلا رآها فأبكته. وإن كان ليؤتى بالقدح ثلثاه ماء فإذا تناول أبصر خطيئته فما يضعه على شفتيه حتى يفيض
من دموعه، وزعموا أن توبته لم تقبل إلى أربعين يوماً وقيل إلى أربعين سنة والله أعلم. ثم انظر إلى يونس عليه السلام غضب غضبة واحدة في غير موضعها، فسجنه الجبار في بطن الحوت تحت قعر البحار أربعين يوماً: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (2). فسمعت الملائكة صوته فقالوا: إلهنا صوت معروف في موضع
مجهول.
(Y)،
فقال تعالى: ذلك عبدي يونس. فشفعت فيه الملائكة، ثم مع ذلك غير اسمه ونسبه إلى سجنه فقال: {وَذَا النُّونِ (3) الآية. فقال: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ) (4) الآية. ثم ذكر نعمته ومنته عليه فقال: لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ) (5) الآية.
فانظروا إلى هذه السياسة أيها / المسكين وكذلك هلم جرا إلى سيد المرسلين أكرم الخلق على الله تعالى بقوله له: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا) (6) الآية.
(1) جاء على هامش المخطوط لفظ «ليلة» وفوقها حرف (خ) وإشارة إلى أن موضعها مكان لفظة «سنة».
(2) سورة الأنبياء، الآية: 87.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 87. (4) سورة الصافات، الآية: 142. (5) سورة القلم، الآية: 49. (6) سورة هود، الآية: 112.
[348]