قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٢١

قنطرة الخوف والرجاء

كنت

وقال بعضهم: كنا نجلس إلى بعض العباد فيبكي ويبكينا ويقول:

كل ذي غيبة سيرجع يوماً غير غياب زائرات القبور وسئل بعض من بكى عند حضرة الموت فقال: تذكرت ساعات أضعت مرورها من العمر الماضي فأنّى لي الذكرى فلم ينحصل لي الآن غير دميعة تسيل وما تجدي وقد حقت العسرى

فصل

321

وجملة الأمر أنك إذا ذكرت سعة رحمة الله التي سبقت غضبه ووسعت كل شيء، ثم من هذه الأمة المرحومة الكريمة على الله تعالى ثم غاية فضله العظيم عليك وعلى غيرك، ثم كثرة أياديه إليك ونعمه الظاهرة والباطنة لديك من غير إحسان سبق منك. وتذكرت من جانب آخر كمال عظمته وجلاله، وهيبته وعظيم سلطانه، ثم شدة غضبه الذي لا يقوم له السموات والأرض، ثم غاية غفلتك وكثرة ذنوبك وجفوتك دقة أمره، وخطر معاملته، وفي إحاطة علمه وبصره بالغيوب، ثم حسن وعده وثوابه الذي لا تبلغ كنهه الأوهام وشدة وعيده وأليم عقابه التي لا تحتمل ذكره القلوب تارة تنظر إلى فضله، وتارة تنظر إلى عذابه، وتارة تنظر إلى رحمته وتارة تنظر إلى نفسك وجفواتها وخياناتها تأدى بك جميع ذلك إلى الخوف والرجاء.

مع

وكنت قد سلكت السبيل الأقصد والمنهاج الأرشد وعدلت عن الجانبين المهلكين: الأمن والإياس فلم تغتر ببرودة الرجاء حتى تهلك مع الآمنين، ولا بحرارة الخوف حتى تهلك مع الآيسين، بل شربت من النهرين واستقيت من العينين فوجدت النفس قد جدّت في الطاعة راجية ثوابها، واجتنبت المعاصي راهبة عقابها كما قال بعض الماضين: أنه إذا ذكرت الجنة طال شوقه، وإذا ذكرت النار طار نومه.

فصرت حينئذ من الأصفياء العابدين الذين وصفهم الله تعالى في قوله: {إِنَّهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبَاً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (1).

[361]

والحمد لله رب العالمين، فإذا جاوزت قنطرة الخوف والرجاء فأشرع في العبادة بنفس شديدة غير كسلى، / ولا عاجزة وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام [362]

المرسلين والحمد لله رب العالمين.

(1) سورة الأنبياء، الآية: 90.

قناطر الخيرات/ ج 3/ م 21