قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١١٩

103

قنطرة العلم

وقال علي: قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته، وإنما كان كذلك؛ لأن الصغير أفرغ قلباً، وأقل شغلاً، وأيسر تبدلاً، وأكثر تواضعاً، وإما أن يكون

الصغير أضبط من الكبير إذا عرى من هذه المواضع، وأوعى منه إذا خلا من هذه القواطع.

وحكي أن الأحنف بن قيس سمع رجلاً يقول: التعلم في الصغر كالنقش في الحجر. وقال الأحنف الكبير أكثر عقلاً، ولكنه اشغل قلباً ولكن تعلم الكبير أوجب؛ لأن الأولى به أن يكون شيخاً متعلماً لا شيخاً جاهلاً / لأن الصغير أعذر وإن لم يكن في الجهل [1/ 107]

عذر.

ولذلك قيل في منثور الحكم جهل الشباب معذور وعلمه محقور، أما الكبير فالجهل به أقبح ونقضه عليه أفضح.

وينبغي لمن زهد في العلم أن يكون فيه راغباً، ولمن رغب فيه أن يكون له طالباً، ولمن طلبه أن يكون منه مستكثراً، ولمن استكثر منه أن يكون به عاملاً، ولا يطلب لتركه احتجاجاً، ولا للتقصير فيه عذراً. قال الشاعر:

فلا تعذروني في الإساءة إنه شرار الرجال من يسيء فيعذر

[وقال] (1) آخر:

فإياك (2) والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك مصادره أن يعذر المرء نفسه وليس له من سائر الناس عاذره

فما حسن

وينبغي للمتعلم أن يشعر قلبه الصبر على معانات الحفظ ولا يستثقل الدرس، والحفظ ويتكل بعد فهم المعاني على الرجوع إلى الكتب والمطالعة فيها عند الحاجة إليها. والعرب تقول في أمثالها: حرف في قلبك خير من ألف في كتبك. قال الشاعر:

لا

يعبر

عليك بالحفظ بعد الكتب تجهدها فإن للكتب آفات تفرقها فالفار يخرقها والنار تأكلها والماء يغرقها والكف يسرقها

وفي المثل: حرف في تامورك خير من ألف في دستورك. وقال العرب: لا خير في علم معك الوادي، ولا يعمر بك النادي. قال الشاعر:

(1) ليست في الأصل وأثبتها لإيضاح السياق.

(2) في الأصل: «فهياك».