قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٣٦

336

قنطرة العبادة

وما بينهما من المخلوقات وعلم أنه الخالق لجميعها، والقادر عليها وأنهم مترددون بين رحمته وسطوته، وأنه الذي يقول: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، وهذه غاية العظمة فالتفكر في مثل هذا يحقق تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام. الثالث: حضور القلب وترك حديث النفس، قيل في التفسير: {يَا يَحْيى خُذِ الْكِتَابَ (1). أي بجد واجتهاد، فالجد أن يكون متجرداً له منصرف الهم إليه.

بقوة

وقيل لبعضهم: تحدث نفسك بشيء إذا قرأت القرآن؟ قال: أو شيء أحب إلي من القرآن أحدث به نفسي.

ويقال: إن في القرآن ميادين ويساتين ومقاصير، وعرائس، وديابيج، ورياض، وخانات؛ فالميمات ميادين القرآن والراءات بساتينه والحامدات مقاصيره، والمسبحات عرائسه والحاميمات، ديابيجه والمفصل رياضه والخانات ما دون ذلك.

فإذا دخل القاراء في الميادين وقطف من البساتين ودخل المقاصير، وشهد العرائس، ولبس الديباج وتنزه في الرياض، وسكن غرف الخانات استغرقه ذلك وشغله عما سواه، ففي القرآن ما يستأنس به إن كان التالي لذلك أهلاً فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره وهو في متنزهات ومتفرجات والله أعلم.

الرابع: التدبر وهو من وراء حضور القلب؛ فإنه قد يحضر ولا يتدبر بل يقتصر على

[377] السماع، والمقصود من القراءة التدبر، قال الله تعالى: ليَدَّبَرُوا آيَاتِهِ (2) / في أمثالها. وقال علي: لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا في قراءة لا تدبر فيها، وإنما سن الترتيل في الظاهر ليتمكن من التدبر بالباطن والله أعلم، وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد فليردد، إلا

أن يكون خلف إمام.

وقد روي أن النبي عليه السلام: قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فرددها عشرين مرة (3)،

وإنما رددها ليتدبر في معانيها.

(1) سورة مريم، الآية: 12. (2) سورة ص الآية: 29.

(3) قال الحافظ العراقي في المغني المجلد الأول ص 437 طبعة دار الحديث رواه أبو ذر الهروي في

معجمه من حديث أبي هريرة بسند ضعيف.