قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٤٤

344

قنطرة العبادة

وقال عثمان وحذيفة لو ظهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن قالوا: ذلك لأنها بالطهارة تترقى إلى مشاهدة المتكلم في الكلام.

قال ثابت البناني: كابدت القرآن عشرين، وتمتعت به عشرين.

وبمشاهدة الكلام دون ما سواه يكون العبد ممتثلاً لقوله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلهَا آخَرَ (1).

فمن لم يره في كل شيء فقد رأى غيره، وذلك الشرك الخفي بل التوجه الخالص أن لا يرى في كل شيء إلا الله تعالى.

العاشر: التبري، وأعني أن يتبرأ من حوله وقوته والالتفات إلى نفسه بعين الرضى والتزكية، فإذا تلى آية الوعد والمدح للصالحين، فلا يشهد لنفسه عند ذلك، بل يشهد للموقنين والصديقين ويتشوق أن يلحقه الله بهم.

وإذا تلى آيات المقت، وذم العصاة والمقصرين شهد على نفسه هنالك، وقدّر أنه المخاطب خوفاً وإشفاقاً.

(2)

ولذلك كان ابن عمر يقول: اللهم إني استغفرك لظلمي وكفري.

قيل: هذا الظلم، فما بال الكفر؟ فتلى قوله تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)) وقيل لبعضهم بماذا تدعو؟ قال: / بماذا أدعو، استغفر الله عز وجل من تقصيري

سبعين مرة.

فإذا رأى نفسه بصورة التقصير في قراءته، كانت رؤيته سبب قربه، فمن أشهد البعد في القرب، لطف له في الخوف حتى يسوقه إلى درجة أخرى في القرب وراءه، ومن أشهد القرب في البعد مكر به بالأمن الذي يفضيه إلى درجة أخرى في البعد أسفل مما هو فيه. ومهما كان مشاهداً لنفسه بعين الرضى صار محجوباً بنفسه، فإذا جاوز حد الالتفات إلى

نفسه، ولم يشاهد إلا الله تعالى في قراءته، انكشف له الملكوت.

(1) سورة الذاريات (الآيتان: 51 52).

(2) ذكر محقق الإحياء طبعة دار الحديث أن هذا الكلام الذي أورده المؤلف خالياً من السند فنسبته إلى ابن

عمر

لا نستطيع قولها. (3) سورة إبراهيم، الآية: 34.

[384]