الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٤٥قنطرة العبادة
345
ولذلك قال بعضهم:: لما صليت العتمة، والوتر وكنت في الدعاء منه رفعت لي روضة خضراء فيها أنواع الزهر من الجنة، فما زلت انظر إليها حتى أصبحت.
وهذه غاية المكاشفات لا تكون إلا بعد التبري من النفس وعدم الالتفات إلى هواها، ثم تخصص هذه المكاشفات بحسب أحوال المكاشف، فحيث يتلو آية الرجاء يغلب على حاله الاستبشار، فتنكشف له صورة الجنة، فكأنه يراها عياناً، وإن غلب عليه الخوف كوشف بصورة النار كأنه يرى أنواع عذابها، وذلك أن المسموع مختلف إذ فيه كلام راض، وكلام غضبان، وكلام منعم، وكلام منتقم، وكلام جبار متكبر لا يبالي وكلام رحيم حنان متعطف لا يهمل.
،
الفصل الرابع في فهم القرآن وتفسيره بالرأي من غير نقل (1)
فإن قيل: لقد عظمت الأمر فيما سبق في فهم أسرار القرآن، وما ينكشف لأرباب القلوب الزاكية من معانيها فكيف يجوز ذلك؟ وقد قال عليه السلام: «من فسَّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار (2).
(2)
وعن هذا شنع أهل العلم بظاهر التفسير على أهل التصوف في تأويل كلمات القرآن على
خلاف ما نقل عن ابن عباس وسائر المفسرين وذهبوا إلى أنه كفر.
فإن صح ما قاله / أهل التفسير، فما معنى فهم القرآن سوى حفظ تفسيره؟ وإن لم يصح [385] فما معنى قول النبي عليه السلام من فسَّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار.
فاعلم أن من زعم أن لا معنى للقرآن إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مصيب في الإخبار عن حد نفسه، ولكنه مخطاء في رد كافة الخلق إلى درجته، بل الأخبار والآثار تدل على أن معاني القرآن متسعة لأرباب الفهم.
قال علي: إلا أن يؤتى الله عز وجل عبداً فهماً في القرآن.
وقال عليه السلام: إن للقرآن ظهراً وبطناً وحداً ومطلعاً (3).
(1) هذا الفصل منقول من كتاب الإمام الغزالي الإحياء (ج 1 ص 447) طبعة دار الحديث. (2) أطراف الحديث عند الزبيدي في الإتحاف (526/ 4) الفتن في تذكرة الموضوعات (84). والشوكاني في الفوائد المجموعة (317) وابن عراق في تنزيه الشريعة (274/ 1) وهو عند الزبيدي في الإتحاف
(257/ 1، 526/ 4)
(3) أطراف الحديث في إتحاف السادة المتقين (65/ 2، 527/ 4).