الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٤٨348
قنطرة العبادة
ترغيباً للمستمع، وتستعمله الباطنية يتأولوا القرآن على وفق مرادهم، وهم يعلمون قطعاً أنه غير مراد به، فهذا التفسير ممنوع وهو أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي.
الوجه الثاني: أن يتسارع إلى التفسير بظاهر العربية من غير سماع ولا نقل فيما يتعلق بغريب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة، والمبدلة، والاختصار والحذف، والإضمار، والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم هذه المعاني وبادر إلى استنباط ذلك بظاهر العربية كثر غلطه، ودخل في جملة من يفسر القرآن بالرأي ولا بد من سماع التفسير أولاً ليتقي به مواضع ثم بعد ذلك يتسع الفهم.
الغلط
والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع فنون كثيرة، قال الغزالي (1): ونحن نرمز إلى جملة منها ليستدل بها على أمثالها ولا مطمع في ذلك إلا بإحكام ظاهر التفسير أولاً، وهذا كمن يدعي فهم مقاصد الأتراك من كلامهم، وهو لا يحسن لغة الترك فلا مطمع إلى الباطن إلا بفهم الظاهر أولاً؛ فإن ظاهر التفسير يجري مجرى تعلم اللغة التي لا بد منها للفهم ولا بد فيها من استماع فنون كثيرة منها الإيجاز بالحذف والإضمار كقوله: وَأَتَيْنَا ثَمُودَ الْنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بها) (2) معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها.
وقوله: (وَأُشْرِبُوا / فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ) (3). معناه: حب العجل فحذف. وقوله: إذا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} (4). أي ضعف عذاب الأحياء
وضعف عذاب الموتى.
وقوله: (وَسَتْلَ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِير) (). أي أهل القرية وأهل العير. وقوله: ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ (6). أي خفي علمها على أهل السموات والأرض، والشيء إذا خفي ثقل.
(1) ترددت هذه العبارة قال الغزالي وبما أنها توحي بأنها تدل على أنها تسبق استشهاداً من أقوال الغزالي على أقوال المؤلف فإن هذا الإيحاء في غير موضعه لأن الكلام من أول الفصل للإمام الغزالي وليس ما
يلي العبارة فقط وإن كان المؤلف اعتاد ذلك ولقد أشرنا في بداية الفصل أنه. من كتاب الإمام الغزالي.
(2) سورة الإسراء، الآية: 59.
(3) سورة البقرة، الآية: 93. (4) سورة الإسراء، الآية: 75.
(5) سورة يوسف، الآية: 82. (6) سورة الأعراف، الآية: 187.
[388]