الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٢[110/ب]
1.9
قنطرة العلم
القسم العاشر: في الشروط التي يتوفر بها علم الطالب - بعد عون الله تعالى وحسن توفيقه ـ وهي بالجملة عشرة.
أحدها: العقل الذي به يدرك حقائق الأمور؛ لأن معاني الأشياء التي يتوصل إليها مستودعة في كلام مترجم عنها وكل كلام مستعمل فهو يجمع لفظاً مسموعاً ومعنى مفهوماً. فاللفظ: كلام يعقل بالسمع والمعنى: تحت اللفظ يفهم بالعقل.
الثاني:: الفطنة التي يتصور بها غوامض العلوم، ولذلك قال بعض الحكماء: العلوم مطالعها من ثلاثة أوجه: عقل مفكر، ولسان معبر، وبيان مصور.
فإذا عقل الكلام بسمعه فهم / معانيه، بقلبه وإذا فهم المعاني سقطت عنه كلفة استخراجها، وبقي عليه معانات حفظها واستقرارها؛ لأن المعاني شوارد تضل بالإغفال، والعلوم وحشية تفر بالإرسال.
الثالث: الذكاء الذي به يستقر حفظ ما تصوره وفهم ما علمه فإذا حفظ علمه بعد الفهم استقر، وإنس وإذا ذاكر به بعد القرار رسي وثبت.
وقد قال بعض الحكماء: من أكثر المذاكرة بالعلم لم ينس ما علم واستفاد ما لم يعلم.
قال الشاعر:
إذا لم يذاكر ذوي العلوم بعلمه ولم يستفد علماً نسي ما تعلما فكم جامع للكتب في كل مذهب يزيد مع الأيام في جمعه علماً الرابع: الشهوة التي يدوم بها الطلب ولا يسرع إليه الملل؛ لأن من صدقت شهوته في العلم وبعدت همته في الطلب لا بد أن يشعر قلبه الصبر بقوة شهوته، ويشعر جسده احتمال التعب لبعد همته فيعقبه ذلك إلحاح الملحين الأملين ونشاط المدركين فقل عنده كل كثير
وسهل عليه كل عسير.
وقد روي عن النبي أنه قال: «إنكم لا تنالون ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون
ولا تبلغون ما تهوون إلا بترك ما تشتهون».
وقيل في منثور الحكم: اتعب قدمك فكم تعب (1) قدمك.
(1) كذا في الأصل وأحسب أن صوابها «لعب».