الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٤108
قنطرة العلم
ولذلك قيل عن أبي عبيدة مسلم رحمه الله أنه قال: لا يؤخذ العلم عن أربعة: رجل كذاب وإن كان يصدق في فتواه ورجل مبتدع في الدين ورجل سفيه مشهور السفه، ورجل لا يفرز مذهبه من مذهب غيره.
فإذا ظفر بمعلم ناصح ذي دين فعليه أن يوقره، ويتذلل لديه بحسن التأدب فبذلك ينال
بغيته منه إن شاء الله.
وقد قال أنوشروان لبزرجمهر: مَنْ أدبك؟ قال: قريحتي نظرت إلى ما استحسنت من غيري فاستحملته، وما استقبحته اجتنبته، ولقد استفدت من كل شيء محاسنه، وأخذت من الخنزير قناعته ومن الكلب محافظته، ومن القرد مساعدته ومن الحمار صبره، ومن الغراب بكوره، ومن السنور لطف المسألة عند الخوان. فقيل له: بماذا نلت ما نلت من العلم؟ فقال: بيكور كبكور الغراب، وحرص كحرص الخنزير وصبر كصبر، الحمار، وتملق كتملق القط. وقيل لبعض السلف: بم أدركت ما أدركت من العلم؟ فقال: بقلب ذكي، وأب غني فإذا
امتثل المتعلم ما ذكرنا كان جديراً بأن ينال من العلم مقصوده. وبالله التوفيق. العاشر: تقوى الله عز وجل الذي هو رأس كل بر وبه ينال المتعلم مقصوده من الخير في
الدنيا والآخرة، قال الله سبحانه وتعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} (1). وقال النبي عليه السلام: من عمل بما علم أورثه الله عز وجل علم ما لم يعلم (2). وحديث علي بن أبي طالب فيه جميع وظائف الأدب التي يحتاج إليها المتعلم لمعلمه وذلك أنه قال: إن من حق العالم أن لا تكثر عليه السؤال ولا تعنته في الجواب، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ولا تشير عليه بيدك ولا تفتش له سراً، ولا تغتاب عنده
،
أحداً، ولا تطلبن عثرته، فإن زلّ انتظرت أوبته وقبلت، معذرته وأن توقره وتعظمه الله ما دام يحفظ أمر الله، ولا تمش، أمامه وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته، ولا تتبر من طول محبته. فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر متى تسقط عليك منها منفعة، وإذا جئت فسلم على وخصه بالتحية، واحفظه شاهداً أو غائباً. وليكن ذلك كله الله، فإن العالم أعظم أجراً [1/ 113] من الصائم القائم المجاهد في سبيل الله، وإذا مات / العالم انثلمت من الإسلام ثلمة إلى يوم
القوم،
القيامة لا يسدها إلا خلف مثله، وطالب العلم تشيعه ملائكة السماء، وبالله التوفيق.
(1) سورة البقرة الآية: 282.
(2) قال العراقي في المغني (71/ 1) رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس وضعفه.