الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٩٨قنطرة العبادة
أما أمثالنا الغرقى في الذنوب والجهل، والخطايا، فينبغي أن يكون تفكرنا فيما يقوي بيوم الحساب، إذ لو رآنا السلف الصالحون لقالوا قطعاً: إن هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب فما أعمالنا أعمال من يؤمن بالجنة والنار فإن من خاف شيئاً هرب منه، ومن رجا
إيماننا
شيئاً طلبه. وقد علمنا أن الهروب من النار ترك الشبهات والحرام والمعاصي فنحن منهمكون فيها وإن طلب الجنة بتكثير نوافل الطاعات فنحن مقصرون في الفرائض منها فلم يحصل لنا من ثمرة العلم إلا أنه يقتدى بنا في الحرص على الدنيا والتكالب عليها فيقال: لو كان هذا مذموماً، لكان العلماء أولى باجتنابه منا فليتنا كالعوام إذا متنا ماتت معنا ذنوبنا فما أعظم الفتنة التي تعرضنا لها لو تفكرنا فنسئل الله تعالى أن يصحلنا ويصلح بنا ويوفقنا للتوبة قبل أن يتوفانا إنه الكريم اللطيف بناء المنعم علينا والله أعلم.
الفصل الخامس: في التفكر في المخلوقات
اعلم أن التفكر في الخلق بحر لا يدرك غوره جملة ولا تفصيلاً ولكن نشير إلى بعض جملته؛ لأن كل ما في الوجود نوعان: الله سبحانه وفعله والتفكر في ذات الله وصفاته محظوراً لقوله: «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق (1).
ويقال أن الله تعالى أوحى إلى بعض الأنبياء: لا تخبروا عبادي بصفاتي فينكرون أو قال: فيتكبرون الشك مني، ولكن أخبروهم عني بما يفهمون.
وإنما على الإنسان الإيمان بالله تعالى على ما هو عليه من حقيقة وجوده وحقائق صفاته، أما المخلوقات فمنها ما لا يعرف أصلها فلا يمكن التفكر فيها إلا من حيث أنها مخلوقة مصنوعة محتاجة عاجزة وذلك قوله تعالى: {وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا .... إلى: {وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ، وقال: ما لا تعلمون) (2).
ومنها ما يعرف أصلها ولا يشاهد بالبصر منا وذلك كالملائكة والجن والشياطين
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (4/ 5) طبعة دار الحديث: أخرجه أبو نعيم في الحلية بالمرفوع منه بإسناد ضعيف ورواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب من وجه آخر أصح منه ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر وقال هذا إسناد فيه نظر. قلت - أي الحافظ العراقي: فيه
الوازع بن نافع متروك. (2) سورة يس، الآية: 36.