الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٩٩قنطرة العبادة
399
والعرش والكرسي وغيرها ومجال الفكر فيها غامض على الراسخين من العلماء فكيف غيرهم؟ ومنها ما يعرف أصلها ويدرك بالبصر: وذلك كالسماوات وملكوتها كالشمس والقمر والنجوم وغيرها وكالأرض وما فيها وعليها من الجبال والشجر والدواب والبحار وغيرها، وكالجو وما فيه من الغيوم والثلوج والأمطار والرعود والصواعق والأرياح والشهب وغيرها فهذه الأجناس لا تنحصر أنواعها، ولا يدرك العقل أقسامها وصفاتها وهيئاتها ومعانيها الظاهرة ذلك مجاري الفكر فلا تتحرك ذرة في السماوات والأرض من جماد ونبات وحيوان وفلك وكواكب إلا ومحركه الله تعالى، وفي حركاتها وتقلبها علم / غامض لا يعلمه [434]
والباطنة، وجميع
إلا الله تعالى، وحكم لا يحيط بها إلا خالقها، وكل ذلك دلائل على وحدانيته وجلاله وكبريائه وهي الآيات الدالة عليه، وأشار القرآن إلى الحث على التفكر فيها كما قال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ .... إلى قوله: لآيات لأولي الألْبَاب (1). في أمثالها من القرآن والإشتغال بشرح معنى من معاني هذه الآيات يستدعي إلى تصنيف مجلدات ينقضي العمر دونها، ولكن من رزقه الله عقلا رادعاً يردعه عن هجوم الشهوات وعلماً نافعاً يعتصم به عن ورود الشبهات، فلا بد أن يرزقه النظر في ملكوت الأرض والسماوات وقد قال تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (2) ثم قال: {وَمَا تَغْنِي الآيَاتُ وَالنَّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) (3).
فنسئل الله العصمة والعون والتوفيق.
في
وروي عن بعض العلماء أنه قال: إن الله أقواماً أنعم عليهم فعرفوه، وشرح صدورهم فأطاعوه وتوكلوا عليه فسلموا الخلق والأمر له فصارت قلوبهم معادن لصفاء اليقين، وبيوتاً للحكمة، وتوابيت العظمة وخزائن القدرة، فهم بين الخلائق مقبلون ومدبرون، وقلوبهم تجول في الملكوت، وتلوذ بمحجوب الغيوب ثم ترجع ومعها من لطيف الفوائد ما لا يمكن لواصف أن يصفه، فهم في باطن أمورهم كالديباج حسناً، وهم في الظاهر منادل مبذلون لمن أرادهم تواضعاً فهذه طريقة من الفكر لا يبلغ إليها بالتكلف، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء. ولأبي
العتاهية:
إن للدهر فاعلمن أثاراً فإلى كم أن لا ترى الأقدار من رأى عبرة ففكر فيها لم يزده فكره إلا اعتبارا
(1) سورة آل عمران الآية: 190. (2) سورة يونس، الآية: 101. (3) سورة يونس، الآية: 101.