الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤١٣قنطرة العبادة
413
وأما الميسرات الباطنة فأربعة: الأول: سلامة القلب من الحقد وفضول الدنيا، فالمستغرق بهموم الدنيا لا يتسنى له القيام، و إن قام فلا يتفكر إلا في مهماته، وفي مثل ذلك قيل وأنت إذا استيقظت أيضاً فنائم.
الثاني: خوف غالب في القلب مع قصر الأمل كما قال بعضهم: إذا ذكرت النار اشتد
خوفي، وإذا ذكرت الجنة طال شوقي، فما أقدر أن أنام، ولذي النون: منع القرآن بوعده ووعيده مقل العيون بليلها أن تهجعا وهموا من الملك الجليل كلامه فرقابهم ذاك لكيما يخضعا وقال طاوس: إن ذكر جهنم طير نوم العابدين.
الثالث: أن يعرف فضل قيام الليل بسماع هذه الآيات والأخبار والآثار حتى يستحكم بذلك رجاءه، وشوقه لثوابه فيهيجه الشوق فطلب المزيد رغبة في درجات الجنة وخوفاً من
النيران.
الرابع: حب | الله تعالى وهو أشرف البواعث له وذلك / من قوة الإيمان فإنه في قيامه لا [448] يتكلم بحرف إلا وهو مناج به ربه، وإذا أحب الله عز وجل أحب لا محالة الخلوة به وتلذذ بمناجاته، ولا ينبغي أن يستبعد هذا إذ يشهد له العقل والنقل:
أما العقل فليعتبر حال المحب لشخس بسبب جماله أو لملك بسبب إنعامه كيف يتلذذ بالخدمة له، والخلوة به حتى لا يأتيه النوم والرجاء في حق الله سبحانه أصدق، وما وعده تعالى أنفع وأبقى، وأما النقل فأكثر من أن. يحصى.
وقال بعض العلماء: إن الله تعالى أوحى إلى بعض الصديقين: إن لي عباداً يحبونني وأحبهم، ويشتاقون إليَّ وأشتاق إليهم، ويذكرونني وأذكرهم، وينظرون إليَّ وأنظر إليهم، فإن حذوت طريقتهم أحببتك، وإن عدلت. مقتك.
عنهم
قال: يا رب ما علامتهم؟ قال يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها، فإذا جنهم الليل واختلط الظلام وخلا كل حبيب بحبيبه، نصبوا إلي أقدامهم وافترشوا إليَّ وجوههم وناجوني بكلامهم، وتملقوا إليَّ بإنعامي عليهم، فهم بين صارخ وباك وبين متأوه وشاك، يعني ما يتحملون من أجلي، أول ما أعطيهم أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني وبسمعي ما يشتكون من حبي. أخبر عنهم، والثانية: لو كانت السماوات السبع والأرض في موازنهم لاستقللتها لهم، والثالثة:
كما