الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٢١قنطرة القوادح في الطاعات
421
قلوب الناس بأرائتهم خصال الخير فالمرائي هو العابد والمرائى هم الناس المطلوب رؤيتهم لطلب المنزلة في قلوبهم. والمرائى به: هو الخصال التي قصد المرائي إظهارها وينحصر ذلك / في خمسة أقسام [456]
هي مجامع ما يتزين به العبد للناس وهي البدن والزي والقول والعمل، والإتباع والأشياء الخارجة، وكل أهل الدنيا يراؤون بهذه الأسباب الخمسة إلا أن طلب الجاه وقصد الرياء بأعمال غير الطاعة أهون من الرياء بالطاعة، فيرائي أهل الدين والدنيا بأبدانهم، وأموالهم، وأعمالهم، وزيهم في أبدانهم، ولباسهم.
فأما رياء أهل الدين ببدنهم فيرائي العبد بالنحول واصفرار اللون ليوهم الناس أنه شديد الاجتهاد، وبالخوف والحزن وضعف الصوت، وغور العيون، وذبول الشفاه إعلاماً للناس أنه صائم، فالنحول دليل على قلة الغذاء وكثرة الأحزان والإصفرار دليل على قيام الليل، وليس هذا رياء على الحقيقة، وإنما هذا تسميع بلسان الحال لا بلسان المقال. وأما رياء أهل الدنيا بالأبدان فسمنها وحسنها وصفاء ألوانها، وأما رياء أهل الدين بالزي: فبشعث الرؤوس، وحلق الشوارب واستيطال الشعر وفرقه إظهاراً لكونه متابعاً للرسول في زيه وكذلك غلظ الثياب وآثار السجود، وتشمير القمص، وقصر الأكمام، وخصف النعال وحذوها على زي أهل الدين، ومن هؤلاء من يؤثر حمد أهل الدين والدنيا ليحمده الفريقان فينفق عندهم ليصل إلى أغراضه منهم فيلبس الثياب الحسان لينفق عند أهل الدنيا، ويقصر أكمامها ويشمر ذيولها لينفق عند أهل الدين وكذلك يلبس النعال الخشان محذوة على نعال أهل الدين ويبالغ في جودة الثياب ليتقرب من السلاطين زعم أنه إنما يتقرب حوائج المسلمين ومنهم من يتصنع بالطاعة لينفق عند المسلمين والمخالفين، ومن هؤلاء لو أعطي من الأموال الخطيرة ما أعطي لما خرج عن زيّه الذي عرف به لئلا يقال: خرج من الاقتداء بنبيه عليه السلام.
إليهم
القضاء
وأما الرياء بالأقوال: فيرائي أهل الدين بالنطق بالحكم وإقامة الحجج عند أهل المنازل، / وبالحفظ للحديث، وأقوال المختلفين وذكراً الله بالألسن والأمر بالمعروف والنهي عن ا المنكر، وتضعيف الصوت عند رد الجواب وتحسينه ورفعه عند القراءة، والتأوه عندها ليدل بذلك على المخافة ويرائي أهل الدنيا بالنطق بالطاعة، وغيرها من الفصاحة عند المحاورة وحسن الصوت وإنشاد الشعر والنحو والغريب واللغة وكان السلف إذا اجتمعوا يكرهون أن يذكر الرجل أحسن ما عنده.
[457]