قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٢٢

422

قنطرة القوادح في الطاعات

وأما الرياء بالأعمال فيرائي أهل الدين بطول الصلاة وتحسين ركوعها وسجودها وبالصوم

والغزو والحج وطول الصمت وبذل الأموال وإطعام الطعام والإخبات في المشي، إذا ألقى الناس بإرخاء الجفون وتنكيس الرؤوس، والتثبت عند السؤال، ومنهم من يمشي سريعاً فإذا اطلع عليه أهل الدين مشى مشية أهل الدين، فإذا جاوزهم عاد إلى ما كان عليه ويرائي أهل الدنيا بصحبة أهل الدين من العلماء والعباد ليقال: فلان العالم أو العابد، ويصحبه ويتردد إليه إما لينفق عند الملوك أو ليولى القضاء أو ليستشهد أو يستودع أو يوصى إليه فيخون الأمانة والله أعلم.

الفصل الثاني في مراتب نفي الرياء

من مختصر الرعاية، قال للشيطان في الرياء ثلاثة أحوال: إحداهن: أن يخطر الرياء، والثانية: أن يزينه للعبد والثالثة: أن يدعوه إليه ويحثه عليه بعد أن يحببه إليه فأسعد الناس من يدفع الخطرة عن قلبه ويليه الذي يدفعها بعد تحسينه له، ويليه الذي لا يتعاطاه بعد حث الشيطان عليه ودعائه إليه، وهذا جار في جميع المعاصي، قال: ويندفع دعاء الشيطان إلى الرياء وإلى جميع أنواع المعاصي بشيئين: أحدهما كراهيته المعصية والرياء، والثاني: الامتناع مما كرهه، وإنما تحصل الكراهية بتذكره ما في تلك المعصية من سخط الله وبما ذكرناه من [458] مضار الدارين / فإن الله تعالى جبل الإنسان على محبة ما ينفعه وكراهية ما يضره، وخلق النفس ميالة إلى ما ينفعها غافلة عما يضرها والشيطان عون لها على ذلك، وخلق العقل ليدفع أعظم الضررين بأدناهما، ويقدم أعلى النفعين على أدناهما.

من

فالشرع هو المعرف للضرر، والنفع والعقل كالبصر يرى النفع والضرر إلا في نور الشرع كما أن البصر لا يرى الحسن والقبيح إلا في نور، وإذا زين الشيطان المعصية وحببها إلى النفس امتلأ القلب بحبها، فنسي العبد ما كان عزم عليه من الطاعة، والإخلاص فيغفل عما في الفعل من مضرته في دينه ودنياه، وإنما ينقطع ذلك باستجلاب التذكر لما في الذنب المفاسد التي تزيد على ما في الشهوة من المصالح فإذا علم ما في طاعة الشهوة من الضرر العظيم كرهتها النفس حينئذ؛ لأنها مجبولة على دفع أعظم الضررين بالتزام أخفهما، ولا شك أن ضرر الذنوب في الدنيا والآخرة أعظم من ضرر فوات شهوة فانية فإذا اطلعت النفس على ذلك صارت مع العقل فغلب جند الرحمن جند الشيطان إذ لا يتصور في العادة أن يتذكر العبد ما في الطاعة والإخلاص من مصالح الدنيا والآخرة وما في الرياء والمعصية الدنيا والآخرة، وما في الرياء والمعصية من مفاسد الدنيا والآخرة، ثم يقدم على الرياء

من

مفاسد