الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٨112
قنطرة العلم
لأحوالهم، وقد روي عن النبي عليه السلام من طريق ابن عمر أنه قال: «وقروا من تتعلمون منه ووقروا من تعلمونه العلم».
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والحلم، وتواضعوا لمن تُعلمون وليتواضع لكم من تعلمونه ولا تكونوا من جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهله. فلما كان الأمر ما وصفنا كان جديراً على المعلم أن يشفق على المتعلمين منه شفقة الوالد على أولاده.
وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «أنا لكم مثل الوالد أعلمكم أمر دينكم (1). وذلك أن يقصد بتعلمهم إنقاذهم من نار الآخرة فهو أهم من إنقاذ الأبوين ولدهما من نار الدنيا، ولذلك صار حق العالم المعلم أعظم من حق الأبوين؛ لأنهما سبب لوجود الولد في الدنيا الفانية، والمعلم سبب لخلوده في نعيم الحياة الآخرة الدائمة - أعني معلم علوم الآخرة أو علوم الدنيا على قصد الآخرة ..
وأما المعلم على قصد الدنيا فهو هلاك وإهلاك نعوذ بالله من سوابق الشقاء، فكما أن حق أولاده الرجال أن يتحابوا، ويتعاونوا على المقاصد فحق تلاميذ المعلم الواحد التحاب، والتعاون ولا يكون إلا كذلك إن كان مقصدهم الآخرة ولا يكون إلا التحاسد، والتباغض
إن كان مقصدهم الدنيا.
فإن العلماء، وأبناء الدنيا مسافرون إلى الله عز وجل وسالكون إليه الطريق، فالدنيا
وسنونها وشهورها منازل إليه.
فكما أن / المسافرين في الطريق إلى بعض الأمصار لا بد لهم من التعاون، والتواد؛ حتى يقطعوا الطريق إلى المصر، وإذا اختلفت كلمتهم وتباغضوا كان ذلك سبب هلاكهم في
الطريق.
فلما كان سفر الدنيا بهذه الحالة فالسفر إلى الله تعالى وإلى الفردوس الأعلى أحق بالترافق والتواد في طريقه، ولا ضيق في طريق سعادة الآخرة، ولذلك لا يكون بين أبناء الآخرة تنازع، ولا تباغض، ولا تحاسد. وأما السالكون بطريق تعلمهم وتعليمهم طلب الرئاسة فهم خارجون عن موجب قول الله
(1) ذكر نحوه الغزالي في الإحياء، وعلق عليه العراقي في المغني (55/ 1) بقوله: رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي هريرة.
[1/ 117]