الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٩قنطرة العلم
(1)
113
تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَم (1). وداخلون في قوله تعالى: (الْأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
(2)
عَدُو إِلا الْمُتَّقِينَ (2).
الوظيفة الثالثة: أن يقصد العالم بتعليمه وجه الله تعالى ويقتدي بصاحب الشرع صلوات الله عليه في أن يطلب ثواب الله في تعليم من علم وإرشاد من أرشد، ولا يطلب بذلك في الدنيا عوضاً ولا أجراً، قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: (قُلْ لَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللهِ) (3).
(4)
وقال تعالى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً) (1).
وعن أبي العالية قال: لا تأخذوا عليه أجراً وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم علم مجاناً كما علمت مجاناً.
وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «أجر العالم كأجر الصائم القائم». فحسب من هذا أجره أن يلتمس عليه أجراً أو يرى لنفسه منة على المتعلمين منه، ولو كانت المنة لازمة لهم، بل ينبغي أن يرى لهم المنّة عليه إذا طهروا قلوبهم بأن يتقرب إلى الله تعالى بزراعة العلوم فيها كالذي يعيرك أرضه لتزرع فيها زراعة لنفسك، فالمنة لصاحب الأرض عليك، وثواب المعلم في التعليم أكثر من ثواب المتعلم، ولولاه ما نال المعلم ذلك الثواب الجزيل فلا ينبغي له أن يطلب الأجر إلا من الله تعالى وإلا فقد أبطل ثوابه، وخسر [118/ب]
سعيه، وإنما الأليق بالعلماء نزاهة النفوس عن شبهة المكاسب والقناعة بالميسور من كد
المطالب.
فبذلك تزكو نفوسهم ويسلم لهم دينهم وأعراضهم، ويتوفر علمهم، وتوجد له الحلاوة والقبول في أنفس المتعلمين والمنتفعين منهم؛ لأن شبهة المكسب عار في الدنيا ونار في العقبى، وكذا المطلب إذلال للنفس وإهانة للعلم وأنشد الماوردي لعلي بن عبد العزيز
القاضي الجرجاني:
يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
(1) سورة الحجرات الآية: 10. (2) سورة الزخرف الآية: 67. (3) سورة هود الآية: 29.
(4) سورة البقرة الآية: 41،. وسورة المائدة الآية: 44.