الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٢٨قنطرة القوادح في
الطاعات
428
فصل: في أسباب العجب
اعلم يا أخي وفقك الله أن سبب العجب استعظام واستكثار لما فيك من خير وعمل بزعمك فأما العلم فمعرفة الكتب والسنة وإجماع الأمة، ويقع الإعجاب أيضاً بالرأي للصواب: وهو القياس الصحيح ويقع أيضاً بالرأي للخطأ: وهو من وجوه، أحدها: زيغة عن الحق، والثاني: فرحة بالباطل والثالث: أنه تعجب بما لا يجوز إعجابه والعجب فرحة بالنفس بإضافة العمل إليها، وحمدها عليه مع نسيان أن الله تعالى هو المنعم به عليه، والتفاضل بالتوفيق له وأما إذا فرح بذلك لكونه منة من الله عليه واستعظامه لما يرجو عليه من ثواب الله عز وجل، ولم يضف ذلك إلى نفسه ولم يحمدها عليه فليس بمعجب.
قال بعض العلماء: وكذلك إذا علمت أن كل نعمة.
من الله تعالى ثم استعظمت شيئاً من أعمالك ناسياً غافلاً عن كونه من الله تعالى، ومن نفسك غير حامد لنفسك عليه فلست بمعجب، ولو أحضرت كونه نعمة. من الله تعالى كان ذلك بأفضل.
قال: لأن الفرح بنسبة النعمة إلى الله تعالى مأموراً به في كتاب الله تعالى / قال عز وجل: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (1).
وإنما الشر والإعجاب في نسبة تلك النعمة إلى النفس، ونسيان كونها من الله تعالى، فما أجدر من فعل ذلك أن يكله الله تعالى إلى نفسه كما فعل تعالى بأصحاب نبيه عليه السلام يوم حنين إذ أعجبتهم كثرتهم فنسبوا النصر إلى الكثرة ونسوا نسبته فخذلوا وانهزموا مع أنهم خير خلق الله تعالى، وقد يؤدي العجب إلى الإدلال على الله تعالى، وهو أن يرى العبد أنه له عند الله قدراً عظيماً قد استحقه واستحق الثواب عليه من الأمن من عقاب الله تعالى، وليس رجاء المغفرة مع الخوف من الله تعالى إدلالاً وللإدلال علامات: منها أن يناجي ربه بإدلاله عليه بعمله، ومنها أن يستنكر أن ينزل به بلاء، ومنها أن يستنكر أن عليه غيره أو تردّ دعوته مع كونه عاملاً بالعمل الذي استعظمه حتى حمله على العجب والإدلال فما أجهل المدل على الله تعالى بعلمه أو بعمله كيف يدل على ربه؛ لأن إنعامه عليه وإحسانه إليه والشكر لربه على نعمه أولى به من الإدلال عليه والشكر على النعم من
جملة النعم.
ينصره
ولذلك قيل: ضاحك معترف بذنبه خير من باك مدل على ربه، والله تعالى يقول:
(1) سورة يونس، الآية: 58.
[464]