الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٣٥قنطرة القوادح في الطاعات
435
وحكي أن رجلاً أضاف سفيان الثوري وأصحابه فقال لأصحابه هاتوا الطبق الذي أتيت به
في الحجة الأولى بل الذي أتيت به في الحجة الثانية، فنظر إليه سفيان وقال: مسكين قد أفسد
عليه بهذا حجتيه.
الله
ووجه آخر من الغبن: إن أقل طاعة سلمت من هذا الرياء والعجب يكون لها من ا تعالى ما لا قيمة لها ولا نهاية، وعن علي قال: لا يقل عمل البتة وكيف يقل عمل مقبول. وسئل النخعي عن من عمل كذا وكذا ما ثوابه؟ قال: إذا قبل لا يحصى ثوابه، ولمثل هذا المعنى وقع نظر أولي الأبصار من العباد في مثل هذه الدقائق فاهتموا بمعرفتها ثم رعايتها ثم التحفظ عنها، ولم تغنهم كثرة الأعمال في الظاهر وقالوا في هذا الشأن في الصفوة لا في الكثرة وقالوا: جوهرة واحدة خير من ألف خرزة. وأما الذين قل عملهم في هذا الباب وقل نظرهم جهلوا المعاني وأغفلوا ما في القلوب من العيوب واشتغلوا بإتعاب النفوس في الركوع والسجود وغير ذلك ولم ينظروا ما فيها من المخ والصفوة وما يغني عدد الجوز ولا لب فيها وما يغني رفع السقوف ولم تحكم مبانيها، وما يعقل هذه الحقائق إلا العالمون بالله المكاشفون والله تعالى نسأله الهداية.
وأما الخطر العظيم فإن عظمه من وجوه أحدها ملك لا نهاية لعظمته وله عليك نعم لا تعد ولا تحصى، وبدن معيوب بعيوب جمة خفية ومؤف بآفات كثيرة، وأمر مخوف، فإن وقع مع تسارع النفس إليه فيحتاج أن يستخرج عملاً صافياً / من بدن معيوب ونفس أمارة [472]
ذلك
بالسوء على وجه يصلح لرب العالمين في جلاله وكثرة أياديه ومننه، ويقع موقع الرضى والقبول فيه فيفوتك الربح العظيم الذي لا تتسمح النفس بفوته بل ربما تصيبك فيه مصيبة لا طاقة لك بها وهذا والله شأن عظيم، وخطب جسيم.
أما جلال الله وعظمته فإن الملائكة يتعبدون له بأنواع العبادة الليل والنهار إلى نفحة
الصور، فينادون بأجمعهم: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
وأما النعم: فكما قال: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) (1).
وعلى ما روي أنه يحشر الناس على ثلاثة دواوين ديوان الحسنات وديوان السيئات وديوان النعم فقابلوا الحسنات بالنعم فلا يؤتى بحسنة إلا أوتي بنعمة حتى تعم الحسنات وتبقى
(1) سورة إبراهيم، الآية: 34.