الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٤٣قنطرة الحمد والشكر
443
قال: وقال آخرون وهو الأولى أن شدائد الدنيا مما يلزم العبد الشكر عليها؛ لأنها نعم بالحقيقة بدليل أنها تعرض للعبد المنافع عظيمة، ومثوبات جزيلة تتلاشى في جنبها مشقة هذه
الشدائد وأي نعمة تكون أكبر من هذه، ومثال ذلك كمن يسقيك دواء مراً كريهاً أو يفصدك أو يحجمك لعلة عظيمة فيؤدي ذلك إلى صحة النفس، وسلامة البدن / وصفوة العيش، فيكون [480] إيلامه إياك بمرارة الدواء وجراحة الفصد والحجامة نعمة بالغة بالحقيقة ومنة ظاهرة، وإن كان في صورته مكروهاً ينفر منه الطبع، وتستوحش منه النفس، وأنت تحمد الذي تولى منك ذلك بل تحسن إليه ما أمكنك، فكذلك حكم هذه الشدائد.
ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كيف حمد الله وشكره على الشدائد كشكره على المسار حيث قال: الحمد لله على ما أساء وستر»، وقد قال الله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، وقال: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلْ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (2) وما سماه الله خيراً كثيراً فهو أكثر مما يبلغه وهمك والله أعلم.
فصل
اعلم أن الشكر يستفيد به الشاكر خصلتين:
أحدهما: دوام النعمة؛ لأن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فالشكر قيد النعمة به، تدوم وبتركه، تزول قال النبي عليه السلام إن للنعم أوابد كأوابد الوحش، فقيدوها بالشكر، وقال عز وجل: ﴿فَكَفَرَتَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ .... (3) الآية، وقال: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِهَذَا بِكُمْ إِنْ شَكَرْتُم وَآمَنْتُمْ﴾ (4)
والخصلة الثانية: حصول الزيادة، قال الله تعالى: لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (5)، وقال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوُا زَادَهُمْ هُدًى (6)، وقال: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا .... (3)
الآية.
(1) سورة البقرة، الآية: 216. (2) سورة النساء، الآية: 19. (3) سورة النحل، الآية: 112. (4) سورة النساء، الآية: 147.
(0) سورة إبراهيم، الآية: 7. (6) سورة محمد، الآية: 17. (7) سورة العنكبوت الآية: 69.