الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٤٥قنطرة الحمد والشكر
445
أربع نعم إذ لم تكن في ديني، وإذ لم تكن أعظم منها، وإذ لم أحرم الرضى، وإذ رجوت
الثواب عليها.
وقيل أيضاً: تلك من
النعم
أن تلك الشدة زائلة غير دائمة وأنها من الله تعالى وإن كانت
بسبب مخلوق، فإنها لك عليه لا له عليك، فإذاً يلزم العبد الشكر على النعم المقترنة بالشدة.
فصل
فإن قلت فالشاكر أفضل أم الصابر؟ فاعلم أنه قيل أن الشاكر أفضل بدليل قوله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (1)، فجعلهم أخص الخواص وقال في نوح عليه السلام: {إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً (2)، وقال في إبراهيم عليه السلام: شَاكِراً لأَنْعُمِهِ (3)؛ ولأنه في منزلة الإنعام والعافية، ولذلك قيل: لأن أنعم فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر.
وقيل: بل الصابر أفضل؛ لأنه أعظم مشقة فيكون أعظم ثواباً، وأرفع منزلة، وقال تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ (1)، وقال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الْصَّابِرُرْنَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ
(4)
حساب (ه)، وقال: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (6).}
من
قال الغزالي: الشاكر بالحقيقة لا يكون إلا صابراً، والصابر بالحقيقة لا يكون إلا شاكراً؛ لأن الشاكر في دار المحنة لا يخلو من محنة يصبر عليها لا محالة ولا يجزع، والصابر لا يخلو نعمة كما ذكرنا في الشدائد أنها نعم على الحقيقة على ما تقدم، فإنه شكر على الحقيقة إذا نفسه عن الجزع تعظيماً لله تعالى، وهذا هو الشكر بعينه، إذ هو تعظيم يمنع من العصيان؛ ولأن الشاكر يمنع نفسه عن الكفران فيصبر على المعصية، وحمل على نفسه الشكر والطاعة، فصار بصبره على الطاعة صابراً على الحقيقة.
صبر
لأنه
حبس
والصابر عظم الله حتى منعه تعظيمه عن الجزع فيما أصابه، وحمله على الصبر فقد / شكر الله تعالى فصار شاكراً بالحقيقة؛ ولأن. النفس عن الكفران قصد النفس لها [482] مع عليها الشاكرون وتوفيق الصبر والعصمة نعمة يشكر عليها الصابرون، فأحدها لا
شدة
يصبر
(1) سورة سبأ، الآية: 13.
(2) سورة الإسراء، الآية: 3.
(3) سورة النحل، الآية: 121.
(4) سورة ص، الآية: 44. (5) سورة الزمر، الآية: 10. (6) سورة آل عمران الآية: 146.
حبس