قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٤٦

227

قنطرة الحمد والشكر

ينفك عن الآخر؛ ولأن البصيرة الباعثة عليهما واحدة وهي بصيرة الاستقامة في قول بعض علمائنا، - وبالله التوفيق ..

فصل

فعليك يا أخي ببذل المجهود في قطع هذه القنطرة اليسيرة المؤنة، الكبيرة القدر، العظيمة النافع، وتأمل أصلين:

،

أحدهما: أن النعمة إنما تعطى لمن يعرف قدرها وذلك هو الشاكر لها، دليل ذلك قوله تعالى حكاية عن الكفار والرد عليهم حين قالوا للمؤمنين على طريق الإنكار والاستهزاء: ما بال هؤلاء الفقراء من العبيد والأحرار أعطوا نعمة الإسلام بزعمهم دوننا، وذلك قوله: أهؤلاء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِّنْ بَيْنِنَا، فأجابهم الله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَاكِرِينَ

(1)

ظنوا أنما يعطى النعمة العظيمة أكثرهم مالاً، وأعظمهم حسباً ونسباً، فأجابهم الله تعالى بما تقدم، وتقدير الكلام أن السيد الكريم إنما يعطي نعمته لمن عرف قدرها، وهو الذي أقبل بنفسه وقلبه على مراعاتها، ولا يعبأ بالمشقة في تحصيلها.

وكان في علمنا السابق أن هؤلاء الضعفاء هم القائمون بشكرها، فكانوا أولى بهذه النعمة منكم، فلا اعتبار بغناكم ولا جاهكم فأنتم تظنون النعمة إنما هي الدنيا وحطامها، وعلو الأحساب والأنساب لا الدين والحق معرفته وإنما تعظمون ما ذكرنا من الأموال

والأنساب.

أولا ترون أنكم لا تكادون تقبلون هذا الدين إلا بمنة على من أتاكم به، وذلك لاستحقاركم إياه، وأن هؤلاء الضعفاء، قبوله، وبذلوا مهجهم فيه ولا يبالون بما فاتهم من [483] الدنيا، ولا / بمن عاداهم لمعرفتهم بقدر هذه النعمة نعمة الدين، ورسوخ تعظيمها في قلوبهم فاستغرقوا العمر في أداء شكرها؛ فلذلك استحقوا نعمة الدين في سابق علمنا، وخصصناهم بها

دونكم فهذه هذه.

قال الغزالي: وكذلك كل من خص بعلم أو عبادة، فإنك تجده أعرف الناس بقدر ذلك، وأشدهم تعظيماً له، وأجدهم في تحصيله وأقومهم بشكره، والمحروم ذلك إنما حرمه لقلة

تعظيمه لحقه بعد القضاء السابق.

(1) سورة الأنعام، الآية: 53.