الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٤٧قنطرة الحمد والشكر
447
قال: فلو كان تعظيم العلم والعبادة في قلوب السوقة والعامة مثل ما في قلوب العلماء والمتعبدين لما آثروا سوقهم عليهما.
ألا
تري أن فقيهاً إذا ظفر بتعليم مسألة كانت عليه ملتبسة كيف يرتاح قلبه ويعظم سروره بها حتى ربما لو وجد ألف ألف دينار لما كان يعدل ذلك؟ ثم ربما تبين مثل هذه المسألة لسوقي أو متعلم كسلان يرى أنه مثل ذلك الفقيه في الرغبة في العلم، فلا يستمع إليها
حق الاستماع وربما طال عليه الكلام فيها فيملها، وإن تبين له ذلك فلا يعدله بكبير أمر.
عسى
قال: وكذلك المنيب إلى الله تعالى، كم يتضرع إليه؟ أن يرزقه ساعة مناجاة بصفوة وحلاوة، فإذا ظفر بها عد ذلك أكبر منة ونعمة، فكم يسر بذلك ويفرح ويشكر الله تعالى عليه؟
ثم ترى الذي يزعم أنه راغب في العبادة لا تسمح نفسه بترك نوم ليلة أو ترك كلمة لا تعنيه في تحصيل مثل تلك العبادة، وإن اتفق له في النادر حصول عبادة في صفوة، فلا يعدها كبيرة في نفسه، ولا يعظم شكره الله عليها إنما يعظم، سروره، ويكثر في الظاهر حمده إذا حصل درهماً أو كسرة أو طابت له مرقة أو صحة بدن، فيقول: الحمد الله / فأنى يساوي هؤلاء [484] العاجزون بأولئك المجدين الفائزين.
وكذلك قسم الأمر أحكم الحاكمين، وهو أعلم بالعالمين فهذا تفصيل قول الله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ. فتهمه وارع حقه، وابذل المجهود في حق تعظيم هذه النعمة؛ ليمن الله عليك في دوامها كما من عليك بإعطائها أولاً ـ وبالله التوفيق ..
الأصل الثاني: أن النعمة إنما يسلبها الكفور الذي لا يعرف قدرها ولا يؤدي شكرها، وذلك قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي مَاتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ..... الآية، ثم قال: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا (1) إلى آخر الآية.
(1) ،
تقدير الكلام أنما أنعمنا على هذا العبد بالنعم العظيمة في باب الدين، بما مكناه من الرتبة الكبيرة، ليكون رفيع القدر عندنا ولكنه جهل قدر نعمتنا، فمال إلى الدنيا الحقيرة، فآثر شهوة نفسه الردية ولم يعلم أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة في أدنى نعمة من نعم الدين، فكان في ذلك بمنزلة الكلب الذي لا يعرف الشرف والإكرام من الإهانة والاحتقار، إنما الكرامة عنده في كسرة يأكلها، أو عظم يرمى له يتعرقه سواء عنده، تقعده معك على السرير أو
(1) سورة الأعراف، الآيتان: 175، 176.