الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٤٨448
قنطرة الحمد والشكر
تقيمه على التراب والقذر بين يديك، فهذا العبد السوء إذا جهل قدر كرامتنا، فآثر عليها لذة خسيسة، ودنيا حقيرة نظرنا إليه بالعدل والسياسة فسلبناه كرامتنا ونزعنا من قلبه معرفتنا، فانسلخ غاوياً من جميع فضلنا، فصار كلباً طريداً ـ فنعوذ بالله من سخطه وأليم عقابه إنه بنا رؤوف رحيم -.
ثم اقنع بمثال ملك يكرم عبداً له فيخلع عليه خاصة ثيابه وجعله فوق جميع حجابه، فأمره بملازمة، بابه، ثم أمر أن تبنى له القصور وتوضع له الأسرة وتنصب له الموائد، وتزين له الجواري، وتقام له الغلمان في بلدة أخرى حتى إذا رجع من الخدمة أجلس هنالك ملكاً مخدوماً مكرماً، وما بين خدمته وذلك الملك إلا ساعة من نهار أو أقل فإن انصرف هذا العبد [485] / عن باب الملك يتبع سائساً للدواب ليأكل رغيفاً، أو كلباً يمضغ عظماً، واشتغل به عن خدمة الملك بنظره إليه واقباً له عليه ولا يلتفت إلى ما أعد له من الخلع والكرامة، فيسعى إلى ذلك السائس ليأكل رغيفاً معه أو يزاحم الكلب على عظمه أليس الملك إذا نظر إليه ـ على مثل هذه الحالة ـ يقول: إن هذا السفيه لم يعرف حق كرامتنا وقربنا مع ما أعددنا له الذخائر؟ ما هذا إلا ساقط عظيم الجهل قليل التمييز أسلبوه الخلع واطردوه عن بابنا، فهذا
،
،
من
حال العالم إذا مال إلى الدنيا والعابد إذا اتبع الهوى بعدما أكرمه الله بعبادته ومعرفة آياته وشريعته، ثم لم يعرف قدر ذلك، وآثر عليه أحقر الأشياء عند الله، وكذلك من خصه الله تعالى بأنواع توفيقه وعصمته وزينه بأنوار خدمته، ويديم النظر إليه بالرحمة في أكثر أوقاته، ويباهي به ملائكته، وأنزله منزلة الأعزة، حتى صار بحيث لو دعاه لأجابه، ولو شفع في العالم لشفعه فيهم، وأرضاه، ولو خطر بباله شيء لأعطاه قبل أن يسأله، فمن كانت هذه حاله، ثم لم يعرف قدر هذه النعم فعدل عنها إلى شهوة نفس ردية أو لعقه من دنياه دنية مع ما أعد الله له في الآخرة من الثواب العظيم والنعيم المقيم فما أسوأه من عبد؟، وما أفحش صنعه؟ ـ فنسأل الله تعالى أن يصحلنا بسعة رحمته إنه أرحم الراحمين ..
فصل
فعليك أيها الرجل ببذل المجهود حتى تعرف قدر النعمة، فإذا أنعم الله عليك بنعمة الدين، فالتفت إلى الدنيا فذلك منك تهاون بما أولاك الله من نعم الدين، أما تسمع قوله لسيد المرسلين: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ .... (1) الآية.
(1) سورة الحجر، الآيتان: 87، 88
(1) ،