الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٥٣قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
453
وأما الفرج: فيستعين على حفظه بغض البصر، وإسبال الثوب عليه وكسر شهوته بالصوم
والتباعد عن مظنات التهم. وأما البطن: فيشترط عليه ترك الشره، وتقليل الأكل من الحلال، وترك الشبهات [490] والحرام، فإن خالف شيئاً من ذلك عاقبه بالمنع عن شهوات البطن، وهكذا سائر الأعضاء. واستقصاء ذلك يطول، ولا تخفى معاصي الأعضاء ثم يستأنف عليها وصيتها وشروطها كل يوم وليلة.
فإن النفس بطبعها متمردة، وعن الطاعة نافرة، ولكن الوعظ والتأديب يؤثر فيها، وذكرها فإن الذكرى تنفع المؤمنين. وهذه مشارطة النفس في أول أمرها. الفصل الثاني في المراقبة (1)
فإن الإنسان إذا أوصى نفسه، وشرط عليها ما ذكرناه، فلا تبغي له إلا مراقبتها عند الخوض في الأعمال وملاحظتها بالعين الكائنة في جميع الأحوال، فإنها إن تركت مهملة غطت متمردة، فلنذكر أولاً لمعاً من فضيلة المراقبة، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (2)، وسئل النبي لي في حديث جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك (3).
(Y)،
وقال بعض العلماء: أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريقة المحاسبة ثم المراقبة، وسياسة عمله بالعلم وقال بعضهم: إذا جلست إلى الناس فكن واعظاً لنفسك وقلبك ولا يغرنك اجتماعهم عليك، فإنهم يراقبون ظاهرك والله رقيب على باطنك.
وحكي أن تلميذاً لبعض المشايخ فكان يكرمه، ويقدمه على شيوخ أصحابه، فقيل له في ذلك فدعا بمدة طيور، فناول كل واحد منهما طيراً، فقال: ليذبح كل واحد منكم طيره في موضع لا يراه أحد، فدفع إلى التلميذ الشاب كذلك، فرجع كل واحد منهم بطيره مذبوحاً إلا التلميذ، رجع والطير في يده، فقال: مالك لم تذبح وقد ذبح أصحابك، فقال: لم أجد
(1) هذا الفصل مأخوذ من كتاب الإمام الغزالي - إحياء علوم الدين - المجلد الرابع (607) طبعة دار
الحديث.
(2) سورة المعارج، الآية: 32.
(3) قال الحافظ العراقي في المغني (607/ 4) طبعة دار الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة ورواه مسلم من حديث ابن عمر.